المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأمانة { للشيخ عبدالرحمن العتيبي }


أبو عبدالرحمن
08-25-2007, 06:41 AM
الأمانة

أثنى الله على المؤمنين الذين اتصفوا بالأمانة قال تعالى (وَالَّذًينَ هُمْ لًأَمَانَاتًهًمْ وَعَهْدًهًمْ رَاعُونَ ) [المؤمنونـ8]، وقد ذكرت الأمانة في كتاب الله في أكثر من موضع، ومن ذلك ما جاء في سورة الأحزاب عن الأمانة قال تعالى (إًنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتً وَالْأَرْضً وَالْجًبَالً فَأَبَيْنَ أَن يَحْمًلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مًنْهَا وَحَمَلَهَا الْإًنسَانُ إًنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) [الأحزابـ72].
قال أهل التفسير: إن الأمانة هي التكاليف الشرعية، فالوضوء أمانة، وأداء الصلاة في وقتها أمانة، والصوم أمانة، والزكاة أمانة.
المكلفون تجاه الأمانة ثلاثة أصناف:
1ـ من حفظها ظاهراً وضيعها باطناً وهم المنافقون والمنافقات، حفظوها ظاهراً مراعاة للمسلمين وموافقة لهم وخشية منهم، وضيعوها باطناً موافقة لأهل الكفر.
2ـ من ضيعها ظاهراً وباطناً وهم المشركون والمشركات.
3ـ من حفظها ظاهراً وباطناً وهم المؤمنون والمؤمنات.
وسيعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات لأنهم ضيعوا الأمانة، وللمؤمنين والمؤمنات الرحمة من الله لأنهم حفظوا الأمانة، قال تعالى (لًيُعَذًّبَ اللَّهُ الْمُنَافًقًينَ وَالْمُنَافًقَاتً وَالْمُشْرًكًينَ وَالْمُشْرًكَاتً وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمًنًينَ وَالْمُؤْمًنَاتً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحًيماً ) [الأحزابـ73].

الأمانة في السمع والبصر

السمع أمانة فلا يستمع إلى ما يغضب الرب جل وعلا، من غيبة أو سماع معازف أو سماع كلام فيه تعدي على دين الإسلام، وفي هذه الحالة يجب على المستمع الإنكار على من يتكلم في دين الله بالباطل أو من يأكل أعراض الناس، وإنما يكون الاستماع إلى ما هو خير من كلام الله المتلو أو حديث نبيه صلى الله عليه وسلم أو غيرهما من العلوم النافعة أو الاستماع إلى كلام مباح مجرد من الغيبة والاستهزاء وغيرها مما حرم الله.
والبصر نعمة من الله وهو أمانة فلا يجوز إطلاقه في جميع ما يقع عليه، بل الواجب حجبه عما حرم الله، قال تعالى (قُل لًّلْمُؤْمًنًينَ يَغُضُّوا مًنْ أَبْصَارًهًمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلًكَ أَزْكَى لَهُمْ إًنَّ اللَّهَ خَبًيري بًمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لًّلْمُؤْمًنَاتً يَغْضُضْنَ مًنْ أَبْصَارًهًنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) [النور: 30ـ31].
وذلك النظر المحرم يشمل الصور المتعرية في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، وعلى المسلمين والمسلمات أن يراقبوا ربهم في هذا الجانب فإنه لا يخفى عليه شيء، قال تعالى (يَعْلَمُ خَائًنَةَ الْأَعْيُنً وَمَا تُخْفًي الصُّدُورُ) [غافرـ19]، وفي تفسير هذه الآية هو من ينظر فيما لا يحل له فإذا فطن له غض بصره، وما حصل منه هي خيانة علمها الله وحده، وسيُسأل الإنسان عن سمعه وبصره، قال تعالى (إًنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئًكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراءـ36].
الأمانة في المعاملات
المعاملات بين الناس مبنية على الأمانة فمن يغشهم في البيع فقد خانهم، مر النبي صلى الله عليه وسلم على صبرة طعام فادخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: (أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس! من غشنا فليس منا) [رواه مسلم].
ويفيد هذا الحديث أنه على الوالي أن يتفقد أحوال الرعية أو يوكل من ينوب عنه في ذلك حتى لا تحصل الخيانة في الأمة، أما من يغش المسلمين فقول النبي صلى الله عليه وسلم (من غشنا فليس منا) كفى به زاجراً لأهل الغش والخيانة، ومن يبيع المسلمين الخمر والصور الخلاعية فقد خانهم لأنه ساهم في هدم أخلاقهم، وحفظ السر أمانة فلا تجوز الخيانة بإفشاء السر المؤتمن عليه وخيانة الأمانة من صفات المنافق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) [متفق عليه].
فالأمانة في المعاملات من صفات المؤمنين الأتقياء الذين يراقبون الله في أعمالهم.

الأبناء أمانة

تربية الأبناء وتنشئتهم النشأة الصالحة أمانة في أعناق آبائهم وأمهاتهم، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلًيكُمْ نَاراً) [التحريمـ6]، فهؤلاء الأبناء يحتاجون إلى توجيهات الأب والأم حتى يكونوا لبنة صالحة في المجتمع، ويسلموا من طريق الانحراف، وسيسأل الآباء والأمهات عن هذه الأمانة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلم مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها) [رواه البخاري ومسلم]، ولا مفر من تحمل هذه المسؤولية ومن يطلب الإنجاب فعليه أن يربي وليستعن بالله على ذلك وليجتهد حتى تبرأ ذمته وتكون تربيته خيراً عليه وعلى أولاده وأمته.

الولاية أمانة

من ولاه الله أمر المسلمين فهذه الولاية أمانة فعليه أن يتقي الله في رعيته ويعدل بينهم، ويقيم فيهم شرع الله لأنه هو الأصلح لشؤون حياتهم، وبه يكون حفظ أموالهم ودمائهم وأعراضهم، قال تعالى (أَفَحُكْمَ الْجَاهًلًيَّةً يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مًنَ اللّهً حُكْماً لًّقَوْمي يُوقًنُونَ ) [المائدةـ50]، ومن ولاه الله أمر المسلمين فسيُسأل عن هذه الأمانة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته) فإذا حكم بشريعة الله وأصبح عادلاً فجزاؤه الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل.... الحديث) [رواه البخاري ومسلم].
وهذا الظل يجعله الله لهم يوم القيامة يوم تقترب الشمس من الناس قدر ميل فيكون لهم ذلك الظل الظليل جزاءً لمراعاتهم أمر الله وطاعته، وكل من يكلف بعمل يرتبط بمصالح المسلمين فقد تحمل أمانة، فالموظف عمله أمانة، عليه أن يؤديه على الوجه المطلوب منه بما يحفظ حقوق الناس وينجز أعمالهم، ومن يتولون إدارة أموال المسلمين فعملهم أمانة، وعليهم حفظ الأمانة قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتًكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) [الأنفالـ27].

الله لا يخون

الله تبارك وتعالى لا يحب الخيانة، قال تعالى (إًنَّ اللَّهَ لَا يُحًبُّ كُلَّ خَوَّاني كَفُوري) [الحجـ38]، وكل صفة نقص فالخالق منزه عنها، وبعض العوام إذا اكتشف خيانة من يثق فيه قال (خانني الله يخونه) وهذه العبارة غير صحيحة وفيها تعدي على الله جل وعلا، فالله لا يخون، ولو أن القائل قال (خانني، الله يجازيه بما يستحقه)، أو (الله يأخذ لي حقي منه) ونحوها لكان هو الصواب، ومثلها من يقول (غشني الله يغشه) فهذا لا يجوز لأن الله لا يغش، فينبغي تحري الألفاظ السليمة التي ليس فيها مخالفات شرعية وألا يتلفظ بما لا يعلم معناه، ومن لم يحفظ الأمانة التي حملها فهو متعرض لسخط الله وعقوبته، أعاننا الله جميعا على تحمل الأمانة وجنبنا الخيانة ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله وسلم على الصادق الأمين محمد رسول الله.

عبد الرحمن بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 13/8/2007
الوطن