المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإسلام بين الاستقامة و الوسطية ( للشيخ عبدالعزيز العتيبي)


أبو عبدالرحمن
08-25-2007, 06:27 AM
(إًنَّ الَّذًينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)

الإسلامُ بين الاستقامةً المشروعة والوسطية!

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
ذكرنا في العدد أدلة الاستقامة من كتاب الله عز وجل ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومن أقوال الصحابة ونكمل الحديث في هذا العدد، فأقول مستعيناً بالله:

من رسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريق الاستقامة بعد رسول الله إمام الأئمة

رابعاً: القرون الثلاثة

سنذكر كثيرا من أهل العلم والفضل مًمّن عُرفوا بالسُّنةً والدعوة والْهداية إلى طريق الاستقامة، لَم يَنحرفوا عن الْجادة الْمُستقيمة، ولَيس فيهم من سلك طريق الأشاعرة والصوفية والفرق الباطنية، بل عُرفوا بالْحديث والسنة والأثر، دعوتُهم ظاهرةي، وطريقتُهم مُعلنة، ساروا علَى إثًر النَّبًيًّ صلى الله عليه وسلم ونَهجوا نَهجه. قال اللالكائي فًي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والْجماعة (29/1): باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة، والدعوة، والْهداية إلَى طريق الاستقامة، بَعْدَ رسول الله إمام الأئمة.

(فمن الصحابة)

قال: (فمن الصحابة): فذكر خلقا من الصحابة منهم العشرة وعائشة وأم سلمة، وترك الكثير اختصارا، ثُم ذكر خلقا من التابعين ومن تبعهم.

(ومن التابعين ثم من بعدهم)

(ومن التابعين): من أهل المدينة: من الطبقة الأولَى ذكر جُملة من العلماء على رأسهم سعيد بن الْمسيب وعروة بن الزبير، ومن الطبقة الثانية ذكر نفرا على رأسهم الزهري، وفيهم جعفر بن محمد الصادق، ومن الطبقة الثالثة ذكر مَجموعة من أهل العلم والفضل» وعلى رأسهم مالك بن أنس إمام دار الْهجرة.
ومن أهل مكة أو من يُعد منهم: عطاء، وطاووس، ومُجاهد، وابن أبي مليكة، ومن بعدهم فًي الطبقة: ذكر جُملةً من أهل العلم فيهم محُمد بن إدريس الشافعي، وسفيان بن عيينة.
ومن أهل الشام والجزيرة أو من يعد فيهما من التابعين: وذكر فيهم رجاء بن حيوة، وعبد الكريم بن مالك الْجزري، ثم من بعدهم: وذكر خلقاً من أهل العلم على رأسهم الأوزاعي، ثم من بعدهم: وفيهم أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الدمشقي.
ومن أهل مصر:حيوة بن شريح، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة،ومن بعدهم: وذكر مشاهير منهم: عبد الله بن وهب، وإًسْماعيل بن يَحيَى الْمُزَنًي والبويطي، والربيع بن سليمان الْمُرادي.
ومن أهل الكوفة: ذكر ما يزيد على ثَمانيي وعشرين نفسا، وفيهم الشعبي، والْحَكم بن عتيبة، وسفيان الثوري، وشريك بن عبد الله القاضي، ووكيع بن الْجراح، وأبو أسامة حَماد بن أسامة، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، وأبو كريب محمد بن العلاء الهمذاني.
ومن أهل البصرة: ذكر خلقاً فيهم الْحسن البصري، ومُحمد بن سيرين، ومن بعدهم: ذكر جُملةً من أهل العلم منهم أيوب السختياني، وسليمان التيمي، وحَماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ويَحْيَى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعلي بن الْمَديني.
ومن أهل خراسان: ذكر مشاهير من أهل السنة والْحديث فيهم عبد الله بن المبارك، ونعيم بن حماد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد المعروف بابن راهويه، ومحمد بن نصر المروزي، ومُحمد بن يَحيَى الذهلي، ومُحمد بن إًسْماعيل البخاري، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عبد الرحمن النسائي، ومحمد بن عيسى الترمذي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة.
ومن أهل الري: ومن أعلامهم الرازيان: أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، وأبو حاتًم مُحمد بن إدريس الْحنظلي، وفي الطبقة التي بعدهم: ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتًم.
وذكر غيرهم من أهل الْموصل وطبرستان.
ذكر اللالكائي رحمه الله دعاة الاستقامة وحَملة العلم وأرباب الشريعة، ورواة الْحديث، وحراس العقيدة، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فلا يوجد بلد قد ظهر فيه العلم وانتشر» إلا ودعاة السنة والاستقامة والْمعتقدات السليمة» هم أهل الديانة والعلم وحَملة لواء السنة، يُحاربون البدع وكل مُحدثي فًي الدين من الْمُعتقدات والأقوال والأفعال، لذا فلا غرابةَ أن لا تَجد فيهم من تلفظ أو جعل ديدنه هذه الْمُفْردة الْمُنكرة، ودعا إلَى الوسطية الْمحدثة فًي ذلك الزمان.

هل الوسطيةُ مَطلبي شَرعي؟!

أين الدليل من كتاب الله؟ بالنص والبرهانً على أن الوسطية مطلوبة شرعا فًي الْمُعتقدات والعبادات والْجواب: لن تقف على شيءي من ذلك، وقال الله فًي مُحكم التنزيل: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) (الأنعام: 38)، وقال: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) (النحل: 89) أي: ما تركنا شيئا من أمر الدين» إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مُجملة يُتلقى بَيانُها من الرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالَى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر: 7).

الوسطيةُ وجَمع شَمْلً الإًنسانيّة

فأين الأدلة والبراهين؟! حتّى نتفق ولا يثار خلاف بين الْمسلمين بًمفرداتي شَاذَّةي ظاهرها مَجهول وباطنها ظلمات وأنفاق،لكل ديانةي نفقي، ولكل ملةي نفقي، ولكل فرقةي نَفَقي، ولكلًّ طائفةي نفقي، أنفاقي تنتهي إلَى نفقي كبير» ونفق الوسطية مَجمع الأنفاق» هًيَ التًي جَمعت شَملها، وقَرَّبَتْ بَين مُتَفرقها، وَآلفَتْ بين مُخْتلفها، فهل الوسطية معنَى لًجَمعً شَمْلً الإنسانية؟! إننا لَم نقف على شيءي مُحرري يُعَرّفُ الكفرَ، ويُحددُ موقف الْمُسلمين من الكفار، ولَم نرى بَحثاً فًي الطوائف والفرق مبيناً موقف أهل السنة والْجماعة من مُختلَفً الْمًلل والنحل» حَتَى يَتَسَنَّى لنا ولكل باحثي عن الْحقًّ» مَعْرًفَة هَويةً الوَسَطًيًّيْن، إننا نقول وبأعلى صوت: لا لًجمع الناس إلا لعبودية الله الواحد القهّار تَحتً رايةً التوحيدً» طاعةً لله ولرسوله، ولنا ما رواه البخاري في صحيحه (7281) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالَى عنهما، يقول: جاءت ملائكةُ إلَى النَّبًيًّ صلى الله عليه وسلم، وهو نائم، فقال بعضهم: -إلَى قوله-: فمن أطاعَ مُحمداً صلى الله عليه وسلم» فقد أَطاعَ الله، ومن عصى مُحمداً صلى الله عليه وسلم» فقد عصى الله، وَمُحمدي صلى الله عليه وسلم فَرْقي بَيْنَ النَّاسً. وَفًي رواية في الصحيح: فَرَّقَ بين الناسً.

تَسويقُ الوسطيةً والدَّعوةُ إلَى الْمَجهول

وأين الدليل من سُنةً رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الذي أُوتًي جَوامعً البيانً والكلم،والدليل ما رواه البخاري (7013) ومسلم (523) في صحيحهما مًنْ حَدًيثً أَبًي هريرة رضًيَ الله عنه، عن رسولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيهً وسلم أَنَّهُ قال: «أُوتًيتُ جَوَامًعَ الكَلًمً». وكان رحيما بأمته ما ترك لفظا ومعنَى يُقَرّبُها إًلَى الْخير» إلا ودل أمته عليه، وبَيَّنَهُ بًأَفضلً عبارةي وأَحْملً سًياقي.فالعجب كل العجب! من جرأة البعض علَى تسويق مفردة الوسطية، ودعوة الناس إلى الْمَجهول... كيف يطالبنا الوسطيون بأن نسلك أوسط الطرق ؟! أيها الوسطيون! طالبونا بالواضح الْمبين، وبًما شُرًع بالبراهين» حتّى نستجيب لدعوتكم، فالطريق الذي يُبْنَى على تأصيلي صحيح» نسلكه بلا شك أو تردد وبالله نستعين.سَمّوا لنا رًجالكم...فالوسطيةُ شَجرةي لا أصل لَها!بَحثنا عن دليلي عن الوسطية ونص من كتاب الله فَلم نقف على شيء، وكذلك فًي السنة سواء كان ذلك فًي كُتُبً الْحديث الْمَعروفةً أو الكتب التًي صنفت فًي مسائل الاعتقاد كـ (كتاب السنة لعبد الله بن حنبل، والسنة للبربَهاري، والسنة لابن البناء، والسنة لابن أبي عاصم، والشريعة للآجري) وغيرها كثير. والذي وجدناه» أن القول: بالاستقامة له مرجع، فالأدلة كثيرة فًي الكتاب والسنة، وأقوال الْمُتقدمين والْمُتأخرين من علماء الأمةً، والقول بالوسطية» لا يوجد له مرجع من نصوصً الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة. وحيث لا دليل ولا برهان فًي الْحديث والقرآن، فَسَمّوا لنا رجالكم الذين قالوا بًهذه الْمَقالةً، وقاموا على إطلاق عنوان الوسطية (جامع السلوك الإنساني) على اختلاف الديانات، فلا وسط فًي الْمعتقدات والعبادات» بل الاستقامة على الإسلام، والوسط يكون فًي العادات الإنسانية، والسلوك البشري، من نومي وأكلي وكلام وغيره، بعيدا عن العقيدة والعبادة، فهو الذي يطلب فيه التوسط، وعليه يَجتمع فًي هذا الوسط الذي ذهبوا إليه» كافَّةُ الناسً من يهود ونصارى، وهندوسي ومَجوسي وغيرهم.

الوسطيةُ دين فَرْدي وليس دين أمةي شُرًعَ بالكتابً والسنة

ولقد وجدنا أن الوسطيةَ شجرةي لا عروق لَها، والْهوية مفقودة فًي القرون الثلاثة» قرون الْخير التًي جمعت التقدم والفضل، واعلموا أنه لَم يناد أحدُ العلماء بًهذه الدعوة، ومرت القرون، القرن تلو الآخر، حتَّى جاوز أربعة عشر قرنا، ورغم بروز الْمشاهير من العلماء» الذين تَمَيَّزوا بالذكاءً والْجد والاجتهاد، والفطنةً، والتَّفَنن فًي اختيار الألفاظ والْمفردات، التًي تُعين على فقهً الدينً، وفهم الكتاب والسنة، وتقريب العبارات إلَى الأذهان والعقول، بل كان فًي الأمة علماءي كالْجبال، برعوا فًي العلوم ذاتًها وآلاتًها وما تركوا شيئا من أمرً الدينً إلا وضربوا فيه بسهمً البيانً والتسهيل، ومع ذلك لَم نر أحدا من هؤلاء العلماء يطلق صيحةَ الوسطية» منقذا للأمة من الاخفاقات التًي مرت بًها.
والبين أنه لا يقول بًها إلا الْمؤسس الْمُعاصر، فأصبح فهم الْمعنَى منه وإليه، ومُحاولة الْحكم والتقييم أمر عائد إلَى الْمُؤسس ومالك التنظير. فلا كتاب الله ينصر الوسطية ولا فًي سنة رسوله ما يشفع للْمَذهب الْجديد، وعلماء الأمة لَم يكلفوا الدخول من سَمًّ الْخياطً لفهم دين السماحة والرَّحَمة. وفي الْخًتامً عند التنازع نَجد أن الاستقامة تستند إلى وفرة من الأدلة والبراهين التي تكشف مبناها وتحرر معناها ولا نَجد للوسطية مرجعا من كتاب الله أو سنة نبيه أو قول صاحب ـ وما الدين إلا ذاك ـ لا نَجد إلا ما أطلقه الْمُؤسس الْمُعاصر، وسَوّق له، وأذاعه، وابتكاره من بنات أفكاره، نراه دينَ فَرْدي وليس دينَ أمةي شُرًعَ بالكتابً والسنة.

د. عبدالعزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 6/8/2007 الوطن