المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاستغفار { للشيخ عبدالرحمن العتيبي }


أبو عبدالرحمن
08-25-2007, 06:08 AM
الاستغفار
الحمد لله الذي جعل لنا طريقة نتخلص بها من الخطايا وما وقعنا فيه من الذنوب المضعفة للإيمان المبعدة من الرحمن، فهو سبحانه لطيف بعباده رحيم بهم، وفتح لهم باباً تمحى به سيئاتهم ويحصل لهم الرجوع إلى ربهم، إن هذا الباب هو الاستغفار، وحث الله عباده على المسارعة إلى ذلك، قال تعالى (وَسَارًعُواْ إًلَى مَغْفًرَةي مًّن رَّبًّكُمْ وَجَنَّةي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعًدَّتْ لًلْمُتَّقًينَ) (آل عمرانـ133)، ونبي الله نوح عليه السلام في دعوته لقومه أمرهم بالاستغفار (فَقُلْتُ اسْتَغْفًرُوا رَبَّكُمْ إًنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ) (نوحـ10).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) (رواه البخاري).

تعريف الاستغفار

المغفر من ألبسة الحرب ويوضع على الرأس لحمايته، وفي الحديث (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسه المغفر).
والمستغفر يقصد بالاستغفار الآتي:
1ـ يطلب من ربه العفو والصفح والمسامحة عما صدر منه من خطيئة، تغضب الله فيا رب سامحني ولا تعاقبني بذنبي.
2ـ يدعو ربه بأن يستر عليه في الدنيا لأن المعصية تقدح في السمعة وإذا علم الناس بها أصبحت فضيحة، وأيضاً المستغفر يرجو من ربه أن يستره يوم القيامة فلا يفضحه بين الخلائق، فالاستغفار متضمن لهذه المعاني، فهو تذلل من العبد لربه، ودعاء له بأن يصفح ويستر.

مقولة (من اعترف بذنبه غُفر له) والتفصيل فيها

هذه المقولة تنتشر بين العوام، فيقولون من اعترف بذنبه غُفر له، وهذه الكلمات تحتاج إلى التفصيل، فالصحيح أن يقال (من اعترف بذنبه لربه) لأن الذي يعترف بأنه قد عصى الله سيبدأ يطلب من ربه العفو، وسيشعر بالخطيئة ويستغفر ربه معترفاً بتقصيره في حقه، وكما هو معروف أول التصحيح هو معرفة العبد أنه مخالف للصواب ثم تتلوها الخطوات التالية من الاستغفار وتعديل السلوك الخاطئ.
أما من يعترف بأنه مذنب فلن يستغفر، والخطأ الذي نعنيه في مقولة (من اعترف بذنبه غفر له) أن العوام يستخدمونها لكشف ستر الله عليهم فتجدهم يخبرون الناس بما عملوا من معاصي مخزية ظناً منهم أن ذلك سبب للمغفرة، وهذا خطأ فمن ستره الله فليحمد ربه ولا يتحدث للناس بمخازيه، فإن معرفة أن هذا الشخص كان من أصحاب المخدرات قد تزعزع الثقة فيه، ويمكن تدفع غيره إلى سلوك مسلكه الخاطئ، والظهور بمظهر حسن أمام الناس مطلوب سواء في المظهر الخارجي والملبس أو في السمعة الطيبة والسيرة الحسنة.
فوائد الاستغفار
1ـ التعبد لله بهذا الذكر فالاستغفار يشرع في كل وقت، وفيه إظهار الافتقار إلى الله والخوف منه وأن العبد يعلم بأن الله محيط بأقواله وأفعاله، واستحضار هذه الأمور فيه تعظيم للرب جل وعلا، وفيه دلالة على صدق إيمان العبد.
2ـ الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه لما سُئل لماذا تستغفر وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال (أفلا أكون عبداً شكوراً).
3ـ الاستغفار سبب لمحو الذنوب.
4ـ أنه يؤدي إلى السعة في الرزق وهطول الأمطار وكثرة الأموال والأولاد، قال تعالى (فَقُلْتُ اسْتَغْفًرُوا رَبَّكُمْ إًنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسًلً السَّمَاء عَلَيْكُم مًّدْرَاراً وَيُمْدًدْكُمْ بًأَمْوَالي وَبَنًينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتي وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً) (نوح: 12ـ10).
5ـ الاستغفار يجعل النفس قوية ومبتهجة ومطمئنة لأن العبد استغفر ربه، والله غفور رحيم وهذا أمر يشرح الصدر ويجدد الأمل ويبعث على النشاط في العبادة والازدياد منها، مع نظرة إلى مستقبل أفضل.

صيغة الاستغفار

استغفر الله، أو اللهم أغفر لي ، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل فقال: يا رسول الله كيف أسأل ربي؟ فقال: قل اللهم أغفر لي .... الحديث) (رواه مسلم).

من الخطأ الاستخفاف بالذنب

المسلم يحرص على ألا يعصي ربه لأنه يعظمه ويخاف عقابه (قُلْ إًنًّيَ أَخَافُ إًنْ عَصَيْتُ رَبًّي عَذَابَ يَوْمي عَظًيمي) (الأنعامـ15)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل أمتي معافى إلى المجاهرون).
فلا ينظر إلى صغر المعصية وإنما ينظر إلى عظمة من يعصي، فمن يستخف بالمعصية ويجاهر بها أخطأ في حق نفسه، وفي حق مجتمعه لأنه حمل نفسه الإثم بارتكاب الذنب، وهو يسعى إلى نشر الرذيلة بمجاهرته، فعلى العبد أن يستشعر خطورة ما وقع فيه وأن يستغفر ويستتر حتى يعافى من هذا الذنب، ومن الغريب أن تجد من يغضب إذا ذُكّر بالاستغفار، مع العلم أن من نعم الله أن يكون حول المذنب من يذكره إذا نسي أو عصى الله حتى لا يتمادى في الإثم نسأل الله العافية والسلامة.

الذنب الذي لا يغفر

الشرك ذنب لا يغفر لمن لم يحدث له توبة، ويرجع عنه قبل موته (إًنَّ اللّهَ لاَ يَغْفًرُ أَن يُشْرَكَ بًهً وَيَغْفًرُ مَا دُونَ ذَلًكَ لًمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرًكْ بًاللّهً فَقَدً افْتَرَى إًثْماً عَظًيماً) (النساءـ48).
فيجب معرفة الشرك والحذر من الوقوع فيه فإنه أعظم الذنوب.

لا يغفر الذنوب إلا الله

قال تعالى (وَالَّذًينَ إًذَا فَعَلُواْ فَاحًشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لًذُنُوبًهًمْ وَمَن يَغْفًرُ الذُّنُوبَ إًلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصًرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمرانـ135)، فمن عليه خطايا ويطلب المغفرة لها فلا يبحث عن أحد من الأنبياء أو الأولياء أو غيرهم ويطلب منه صكوك غفران فإنهم لا يملكون ذلك ومغفرة الذنوب تطلب من الله وحده، فعليه التوجه إلى ربه وأن يلزم الاستغفار، قال تعالى (وَاسْتَغْفًرُوا اللَّهَ إًنَّ اللَّهَ غَفُوري رَّحًيمي) (المزملـ20).

أسباب مغفرة الذنوب

ـ1 عبادة الله وتقواه، قال تعالى (أَنً اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطًيعُونً يَغْفًرْ لَكُم مًّن ذُنُوبًكُمْ) (نوح: 4ـ3).
ـ2 اتباع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى (قُلْ إًن كُنتُمْ تُحًبُّونَ اللّهَ فَاتَّبًعُونًي يُحْبًبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفًرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُوري رَّحًيمي) (آل عمرانـ31).
ـ3 الإنفاق في سبيل الله، قال تعالى (إًن تُقْرًضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعًفْهُ لَكُمْ وَيَغْفًرْ لَكُمْ) (التغابنـ17).
ـ4 تقوى الله والقول الصادق، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدًيداً يُصْلًحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفًرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطًعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظًيماً) (الأحزاب: 71ـ70).
ـ5 الحج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) (رواه البخاري).
ـ6 عن سما ع المؤذن كما ورد في الحديث (من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً غفر ذنبه) (رواه مسلم).
ـ7 حضور مجالس الذكر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله ملائكة سيّارة يتتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلس ذكر قعدوا فيه... الحديث، قالوا: ويستغفرونك؟ فيقول: قد غفرت لهم) (رواه مسلم).
ـ8 من يسبح الله مائة تسبيحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة) (رواه مسلم).

المواضع التي يشرع فيها الاستغفار

ـ1 في كل وقت لأنه من الذكر المطلق.
ـ2 في دبر الصلوات المكتوبة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً (رواه مسلم)، وهو بعد نهاية الصلاة، وقد يكون حصل نقص في الصلاة من جهة الخشوع وحضور القلب وهو ذكر في هذه الحالة.
ـ3 في استفتاح الصلاة، (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) (رواه البخاري ومسلم).
ـ4 عند الخروج من الخلاء (غفرانك).
ـ5 في الركوع والسجود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)، وهناك مواضع أخرى منها كفارة المجلس (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك).
وذلك كله يبين أهمية ملازمة الاستغفار فلنطلب المغفرة لأنفسنا ولوالدينا وللمسلمين كما فعل نبي الله نوح عليه السلام (رَبًّ اغْفًرْ لًي وَلًوَالًدَيَّ وَلًمَن دَخَلَ بَيْتًيَ مُؤْمًناً وَلًلْمُؤْمًنًينَ وَالْمُؤْمًنَاتً) (نوحـ28) ، ومن استغفر ربه صادقا فليبشر بالمغفرة والرحمة قال تعالى (قُلْ يَا عًبَادًيَ الَّذًينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسًهًمْ لَا تَقْنَطُوا مًن رَّحْمَةً اللَّهً إًنَّ اللَّهَ يَغْفًرُ الذُّنُوبَ جَمًيعاً إًنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحًيمُ) (الزمرـ53).
نسأل الله أن يغفر لجميع المسلمين (رَّبَّنَا إًنَّنَا سَمًعْنَا مُنَادًياً يُنَادًي لًلإًيمَانً أَنْ آمًنُواْ بًرَبًّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفًرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفًّرْ عَنَّا سَيًّئَاتًنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارً).

عبد الرحمن بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 6/8/2007 الوطن