المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإسلامُ هو الاستقامة الْمَشروعة { للشيخ عبدالعزيز العتيبي }


Musleem
08-24-2007, 11:14 PM
(إًنَّ الَّذًينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)


الإسلامُ هو الاستقامة الْمَشروعة


الدعوة إلَى الإسلام على وجه الإجمال وإيضاح السبيل والطريق الذي ارتضاه رب العالَمين بالتفصيل لعباده الْمُسلمين لن يكون إلا بكتاب الله وسنةً نَبًيًّهً على الفهمً الذي سلكه سلف هذه الأمة، فيا عباد الله! إن الْمصلين فًي جَميع أَنْحاء الْمعمورة يدعون ربَّهم ليلاً ونَهارا، سًرّاً وجًهارا بطلب الْهداية والتوفيق قائلين:(اهْدًنَا الصًّرَاطَ الْمُسْتَقًيمَ صًرَاطَ الَّذًينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهًمْ غَيْرً الْمَغْضُوبً عَلَيْهًمْ وَلاَ الضَّالًّينَ)(الفاتحة:6-7)، وهو الطريق الواضح الْمستقيم الذي سار عليه من رزقهَ الله الْهداية وأسبغ عليه نعمةَ الاستقامة حَتّى يكون مع الذين أنعم الله عليهم قال تعالَى-:(صًرَاطَ الَّذًينَ أَنْعَمْتَ). والاستقامة فًي اللغةً: هي الإصابة، وملازمة الصواب والسداد، وَإًنَّ العوجَ والانْحرافَ والْميلَ» خلافُ الاستقامةً وفًي الشرع: طَريق الْهدى والنّور لا طُرق الغوايةً والضلالً كما جاء فًي قوله تعالَى-:(اهْدًنَا الصًّرَاطَ الْمُسْتَقًيمَ)(الفاتحة: 6)، وقال: (وَأَنَّ هَذَا صًرَاطًي مُسْتَقًيمًا)(الأنعام: 153)، وقال:(وَيَهْدًي مَنْ يَشَاءُ إًلَى صًرَاطي مُسْتَقًيمي)(يونس: 25)، وقال: (إًنَّ رَبًّي عَلَى صًرَاطي مُسْتَقًيمي) (هود : 56). ومن سار على هذا الطريق واتَّخذ الإسلام الصحيح منهجا وسبيلا هو الذي يكون بين الناس مستقيماً فًي الْمعتقد والعبادة والسلوك، وعلامته ملازمة الكتاب والسنة والاستقامة على أمر الله من غير عوج ولا انْحراف ولا إفراط ولا تفريط، قال تعالَى-:(إًنَّ الَّذًينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (فصلت:30)، وقال: (فَاسْتَقًمْ كَمَا أُمًرْتَ)(هود: 112)، وقال: (فَاسْتَقًيمُوا إًلَيْهً وَاسْتَغْفًرُوهُ وَوَيْلي لًلْمُشْرًكًينَ)(فصلت : 6). واعلموا عباد اللهً! أنَّ الْحنيفية السَّمحة هي الاستقامة، قال تعالَى- :(وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مًلَّةَ إًبْرَاهًيمَ حَنًيفًا وَمَا كَانَ مًنَ الْمُشْرًكًينَ)(البقرة: 135)، قال الطّبَريُّ فًي تفسيره: (الْحنيفُ): فإنه الْمُستقيمُ من كلًّ شيءي - إلَى قوله - فمعنَى الكلامُ إذاً: قُل يا مُحمدُ! بل نَتَّبع ملة إبراهيم مُستقيما.اهـ.
والْحنفاءً جَمعُ حنيفي وهو كل من كان على الاستقامة والإسلام، وما كان عليه إبراهيم عليه السلام، قال تعالَى:(إًنَّ إًبْرَاهًيمَ كَانَ أُمَّةً قَانًتًا لًلَّهً حَنًيفًا وَلَمْ يَكُ مًنَ الْمُشْرًكًينَ شَاكًراً لأنْعُمًهً اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إًلَى صًرَاطي مُّسْتَقًيمي)(النحل:120)، وقال:(وَمَنْ أَحْسَنُ دًيناً مًمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسًني واتَّبَعَ مًلَّةَ إًبْرَاهًيمَ حَنًيفاً)(النساء: 125).

الاستقامةُ مَطلبي شَرعيي بدليلً الكتابً والسنة

اعلم وفقك الله أن الاستقامة مطلب شرعي بدليل الكتاب والسنة

أولا: من أدلة كتاب الله:

1- قال تعالَى:(فَاسْتَقًمْ كَمَا أُمًرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إًنَّهُ بًمَا تَعْمَلُونَ بَصًيري)(هود: 112).
2- وقال تعالَى:(وَهَذَا صًرَاطُ رَبًّكَ مُسْتَقًيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتً لًقَوْمي يَذَّكَّرُونَ)(الأنعام:126).
3- وقال:(وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانًمَ كَثًيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذًهً وَكَفَّ أَيْدًيَ النَّاسً عَنْكُمْ وَلًتَكُونَ آَيَةً لًلْمُؤْمًنًينَ وَيَهْدًيَكُمْ صًرَاطًا مُسْتَقًيمًا)(الفتح:20).
4- وقال تعالَى:(وَأَنَّ هَذَا صًرَاطًي مُسْتَقًيمًا فَاتَّبًعُوهُ وَلاَ تَتَّبًعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بًكُمْ عَنْ سَبًيلًهً ذَلًكُمْ وَصَّاكُمْ بًهً لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(الأنعام: 153).
5- وقال: (قُلْ إًنَّمَا أَنَا بَشَري مًثْلُكُمْ يُوحَى إًلَيَّ أَنَّمَا إًلَهُكُمْ إًلَهي وَاحًدي فَاسْتَقًيمُوا إًلَيْهً وَاسْتَغْفًرُوهُ وَوَيْلي لًلْمُشْرًكًينَ)(فصلت: 6).
6- وقال:(إًنَّ الَّذًينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهًمُ الْمَلاَئًكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشًرُوا بًالْجَنَّةً الَّتًي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلًيَاؤُكُمْ فًي الْحَيَاةً الدُّنْيَا وَفًي الآخًرَةً وَلَكُمْ فًيهَا مَا تَشْتَهًي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فًيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلا مًنْ غَفُوري رَحًيمي وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مًمَّنْ دَعَا إًلَى اللَّهً وَعَمًلَ صَالًحًا وَقَالَ إًنَّنًي مًنَ الْمُسْلًمًينَ)(فصلت:30-33).
7- وقال:(إًنَّ اللَّهَ رَبًّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صًرَاطي مُسْتَقًيمي)(آل عمران:51).

ثانيا: من أدلة السنة التي تحث على الاستقامة:

1- ما رواه أَحمد فًي مُسنده (1/435) والدارميُّ فًي سننه (1/78) بإسناد جيد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، ثُم قال: (هذا سبيل الله مستقيما)، ثم خط خطوطا عن يَمينه، وعن شًماله» ثُمّ قال: (هذه سُبل على كل سَبيل منها شيطان يدعو إليه)، ثُم تلا: ((وأن هذا صرا طي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)).
2- وروى مسلم في صحيحه (38) من حديث سفيان بن عبدالله الثقفي رَضًيَ اللهُ عَنه، قال: قُلتُ: يا رسول الله! قل لًي فًي الإسلامً قولاً لا أسأل عنه أحدا بعدك -أو غيرك، قال: (قُلْ آمنتُ باللهً فاستقم).وفًي رواية أحمد وغيره (3/413): (قل آمنت بالله ثُم استقم).
3- وروى ابن ماجه فًي سننه (277)، وأحمد فًي مُسنده (5/276، 280) ما صح من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تُحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن). وله شاهدي رواه ابن ماجه (278) في السنن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
ومعنى قوله:(استقيموا ولن تحصوا) . قال ابن عبد البر في الاستذكار(1/209): والذي عندي في تأويل هذا الْحديث أن قوله: (استقيموا)، يعنًي على الطريقة النهجة التًي نهجت لكم، وسددوا وقاربوا» فإنكم لن تطيقوا الإحاطة فًي أعمال البر كلها، ولا بد للمخلوقين من ملال وتقصير في الأعمال، فإن قاربتم ورفقتم بأنفسكم» كنتم أجدر أن تبلغوا ما يراد منكم، وقد ذكرنا في التمهيد بإسناد عن الحسن فًي قول الله عز وجل: (عَلًمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) (المزمل:20) قال لن تطيقوه، قُلتُ: وهو قوله فًي التمهيد عندما فسر الاستقامة مع الاستطاعة» بالسداد والْمُقاربة(24/319): قال أبو عُمَر: قوله فًي هذا الْحديث: (سددوا وقاربوا)، يُفَسًّرُ قوله: (استقيموا ولن تحصوا)، يقول: سددوا وقاربوا» فلن تبلغوا حقيقة البر، ولن تطيقوا الإحاطة فًي الأعمال، ولكن قاربوا، فإنكم إن قاربتم ورفقتم» كان أجدر أن تدوموا على عملكم.ورروى فًي التمهيد عن الْحسن في قول الله عز وجل (عَلًمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) قال: لن تطيقوه. وقال ابن الأثير في النهاية فًي غريب الأثر (1/985): أي اسْتَقًموا فًي كُلًّ شيءي حتّى لا تَمًيلوا ولَنْ تُطًيقوا الاستقامة من قوله تعالَى-:(عَلًمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) أي لن تُطًيقوا عَدَّه وضَبْطَه.اهـ.
ولذا قال الْحافًظُ فًي الفتحً (11/225): أي لن تبلغوا كُنْه الاستقامةً.
قلت: وهذا الْمَعنَى رواه البخاري (7288)، ومسلم (1337) فًي صحيحيهما مًن حديثً أَبًي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَن النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهً وَسلمَ قال: (فإًذا نَهَيتكم عَن شَيءي فاجْتَنًبوهُ، وإًذا أمرتكم بًأَمري فَأْتُوا مًنه ما استطعتم).

ثالثا: قول الصحابة:

لقد جاء عن الصحابة الْحث على الاستقامة وبيان الْمَعنى الْمراد منها، ومنه ما روى البخاري فًي صحيحه (7282) عن حُذَيفةَ رضًيَ اللهُ عنه، قال: يا معشر القُرَّاءً! استقيموا، فقد سَبَقْتُم سَبْقًا بَعًيدًا، فَإًن أَخذتُم يَمًينًا وَشًمَالا» لقد ضَلَلتم ضلالا بعيدًا. قلت: وفًي هذا بياني للاستقامة على منهج السلف من لَدُنً مُحمدي صلى الله علبه وسلم وصحابته حتى نًهاية القرنً الثالث، نسلك الطريق الْمُستقيم الذي سلكوه، لا نسلك جًهَةي مُتوسطة، ولا نبحث عن أوسطً الطُّرقً، بل نسير على الْخط الذي رُسًمَ لنا، لن نَحيد عنه قيدَ أنْمُلةي يَميناً أو شًمالا، فسوف نقع فًي طُرُقً الغوايةً والضلالً. وفي معنى (القرَّاءُ): قال الْحافظُ فًي الفتحً (13/257) :والْمُراد بًهًم العلماء بالقرآنً والسنَّة العبَّاد.اهـ
وفي العدد القادم بإذن الله سوف نكمل مقالنا مع القرون الثلاثة، والحمد لله رب العالمين.



د.عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 30/7/2007

جريدة الوطن