المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الستر على الناس من أخلاق المسلمين {للشيخ عبدالعزيز العتيبي}


Musleem
08-18-2007, 07:58 PM
السّترُ على الناس من أخلاق المسلمين



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نَبيَّ بعده:
تَماسك الْمسلمين في العهد الْمدني يُعَدُّ صورة رائعة، جعلت كُلَّ مَنْ حَوله يُفاجأُ بهذه الظاهرة الْجديدة والفريدة، وَيُحَرّرُ العقولَ للنظر والتفكر في هذا الْمُجتمع الْجديد، راصداً عوامل تطوره ونَهضته السريعة، وباحثاً عن سبب الإقبال عليه، وهجرة الناس إليه من كُلّ جهة وناحية، لقد استطاع النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وَسلم في زَمَن وجيز، وفترة محدودة، أَنْ يُنْشئ مُجتمعاً مثاليا صبورا متماسكا، لَم تؤثّرُ فيه الضربات الْمتوالية للإعلام الْخارجي كـ(كفار مكة) وغيرهم، ولَم يَهُز بنيانه الإعلام الداخلي للْمنافقين، وأعوانهم من يهود الْمدينة، الْمُناوئ لدعوة مُحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذي بلغ من شَراسَة عَدائه أَنْ تَكَلَّموا حتّى في عرض من نَزَلَ عليه الوحيُ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وابتلي أهل بيته، وفي ذلك كان ذبُّ حسان رضي الله عنه،
كما في البخاري(2661)، ومسلم (2770) في صحيحيهما من حديث عائشةَ رَضيَ الله عنها، كانت تَكْره أن يُسب عندها حسان وتقول إنه الذي قال:
فَإنَّ أَبي وَوَالـدَهُ وَعرْضـي ... لعرْض مُحَمَّـد مًنْكُمْ وقَـاءُ
ولكن الرسولَ صَلَّى اللهُ عَليه وسلم كان لا يلتفتُ إلَى الْمُرجفين والْمخذلين، ويَخرج معافَى من بعد كل فتنة ومحنة، حريصاً علَى تَماسك مُجتمعه، واستمرار ذلك البنيان وكان يزرع في نفوس أصحابه التماسك والتراص والتحلي بالأخلاق السامية، عملا بقوله تعالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عنْدَ اللَّه أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ إنَّ اللَّهَ يُحبُّ الَّذينَ يُقَاتلُونَ في سَبيله صَفّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص )[الصف: 2-4]،

وروى البخاري(2446)، ومسلم(2585) في صحيحيهما من حديث أَبي مُوسَى رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ، عن النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلّمَ قالَ: «الْمُؤمنُ للْمُؤمن كالبُنيَان يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَينَ أَصَابعه» .



ستْر العورات من أسرار تَماسك الْمُجتمع

إنَّ منْ أَسْرار تَماسك الْمسلمين في فترات ظهورهم على الناس هو الأَخذُ بالْخصال الْحميدة والأَخلاق الفاضلة، ومنها ستر عورات الناس، وعدم السعي للتَّجسس، والتَّشهيْر، والكشف عما يسوء الْمسلمين.



تعريفُ السّتْر

الستر: تغطية الشيء، والستر والسترة: ما يستر به، قال الله -تعالَى- لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونهَا ستْراً ) [الكهف:90]، وقال: (حجَابًا مَّسْتُورًا ) [الإسراء: 45]، والاستتار: الاختفاء، قال- تعالَى- وَمَا كُنتُمْ تَسْتَترُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ) [فصلت: 22].


ويكون الستر بأمور:
1- حفظ عورات الْمسلمين والامساك عما يسوؤهم، وهنا تزدادُ الْمحبةُ وتُحفظ أخوة الدين.

قال تعالَى: إنَّمَا الْمُؤْمًنُونَ إخْوَة فَأَصْلحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[الحجرات:10].

وروى البُخاريُّ (2442)، وَمُسْلم(2580) في صَحيحيهما من حديث عَبْد اللَّه بْنَ عُمَرَ رَضيَ اللَّهُ عَنهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّمَ قَالَ:
«الْمُسلمُ أَخُو الْمُسلم، لا يَظْلمُهُ وَلا يُسْلمُهُ، وَمَن كانَ في حاجة أَخيه كانَ اللَّهُ في حاجته، وَمَنْ فَرَّجَ عَن مُسلم كُرْبَة فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بها كُربَة منْ كُرُبَات يَوم القيَامَة، وَمَنْ سَتَرَ مُسلمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القيامَة»،

وَرَوَى مُسْلم في صَحيحه (2699) منْ حَديث أَبي هُرَيرَةَ رَضيَ اللهُ عنهُ، قالَ: قالَ رَسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّمَ:
«مَنْ نَفَّسَ عَن مُؤمن كُربَة من كُرَب الدُّنيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنهُ كُربَة من كُرَب يَوم القيامة، وَمَن يَسَّرَ عَلَى مُعْسر يَسَّرَ اللهُ عَلَيه في الدنيا والآخرَة، وَمَن سَتَرَ مُسلمًا سَتَرَهُ اللَّهُ في الدنيَا وَالآخرَة، وَاللَّهُ في عَون العَبد مَا كَانَ العَبدُ في عَون أَخيهً» .

وفي روَايَة لمسلم في صَحيحه (2590) من حَديثً أَبي هُرَيرَةَ رَضيَ اللهُ عنهُ، عَن النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّمَ قَالَ:«لا يَستُرُ عَبد عَبدًا في الدُّنيَا، إًلا سَتَرَهُ اللَّهُ يومَ القيامَة».




لا يجوز التجسس على الناس بحجة إنكار المنكر

2- عَدمُ السَّعي للبحث والتَّجسس للإطلاع وإفشاء ما يسوء الناس

قَالَ الله - تعالَى-: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُواْ اجْتَنبُواْ كَثيراً مّنَ الظَّنّ إنَّ بَعْضَ الظَّنّ إثْم وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخيه مَيْتاً فَكَرهْتُمُوهُ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوَّاب رَّحيم )[الحجرات: 12]،

وروى البُخاريُّ (6066)، وَمُسْلم(2563) في صَحيحيهما منْ حديث أَبي هُرَيرَةَ رَضيَ اللَّهُ عَنهُ، أَن رسولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ:
«إًيَّاكُم وَالظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الْحَديث، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَافَسُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عبَادَ اللَّه إخْوَانًا».

وَفي رواية في الصَّحيح: «لا تَقَاطَعُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا إخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُم اللَّهُ».


والتَّجسسُ: هو البحثُ عَنْ عيوب الناس، وَقَد نَهى اللهُ - تَعالَى - عن البحث عن الْمَستور من أمور الناس، وتتبع عوراتهم، حتّى لا يظهر على ما سَتَرَهُ اللهُ مًنْها.ولذا سُمي الجاسوس صُاحبُ سرّ الشَّر.


3- التحذير من هذا الْخُلُق السيئ
وروى أبو داود في سننه(4880) وَأَحْمَدُ في مُسنده (420/4) ما صح من حديث أَبي بَرْزَةَ الأَسْلَميّ رَضيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ:
«يَا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بلًسَانه، وَلَم يَدخُلْ الإيْمَانُ قَلبَهُ، لا تَغتَابوا الْمُسلمينَ، وَلا تَتَّبعُوا عَورَاتهم، فَإنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَورَاتهم يَتّبعُ اللَّهُ عَورَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبعْ اللَّهُ عَورَتَهُ يَفضَحْهُ في بَيْته».

ولَهُ شَاهد رَوَاهُ التّرمذيُّ (2032) منْ حَديث ابن عُمَرَ رَضيَ الله عنهما، أن رسولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ:
«يَا مَعْشَرَ مَن أَسلَمَ بلًسَانه وَلَم يُفْض الإيْمَانُ إلَى قَلبه! لا تُؤْذُوا الْمُسْلمينَ، وَلا تُعَيّرُوهُم، وَلا تَتَّبعُوا عَورَاتهم، فَإنَّهُ مَن تَتَبَّعَ عَورَةَ أَخيه الْمُسلم تَتَبَّعَ اللَّهُ عَورَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَورَتَهُ يَفضَحْهُ وَلَوْ في جَوْف رَحْله».




أَمْجادُ المرضَى قائمة على كشف عورات الناس

4- لا يُفرح بكشف المستور .
هناك بعض الناس لا يستطيع العيش إلا في بيئة مظلمة، قد اعتاد علَى العيش في عالَم يضج بهتك الْمستور، فلا حرمةَ لعرض، ولا حصانة لأحد، ومن الفشل الذي يعيشه هذا وأمثاله، ومن شدّة عجزه، لا يَجد أَمْجاداً إلا بكشف عورات الناس، إنه مريض لا يجد علاجه إلا بالتشفي بذكر العورات، وتتبع عثرات الْمسلمين، وكشف عيوب الناس أو نسبة العيوب إليهم.

قال تعالَى إنَّ الَّذينَ يُحبُّونَ أَن تَشيعَ الْفَاحشَةُ في الَّذينَ ءَامَنُواْ لَهُمْ عَذَاب أَليم في الدُّنْيَا وَالاّخرَة وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)[النور: 19]، أي يُحبون شيوعها، وَمَنْ أَحَبَّ شَيئاً سَعَى إلَى نَشْره وَتَصَدَّى لإشَاعَته بَيْنَ الناس، وَفي هذا بعث للخلاف والتفرق بَيْنَ النَّاس، عافانا الله وإياكم من ذلك.



5- تَجنب مَن عُرفَ بفُحش القَول والشَّناعة والإشَاعة.
ولذا من الْحكمة الابتعادُ وعدم مُخالطة من اشتهر أمره بعدم الْخوف من الله فًي أعراض الناس، ومن يطلق العنان للسانه لينالَ منْ عورات الناس وأعراضهم، وإذا لزم الأمر مُخالطتهم فَتُشرعُ الْمُدارةُ اتقاءَ ألسنتهم، وحرصا على سلامة عرضه، فقد يجد أُذناً سامعة، وقيل في الأمثال لكل ساقطة لاقطة.


روى البُخاريُّ (6032)، وَمُسلم(2591) في صَحيحيهما من حديث عَائشَةَ رَضيَ اللهُ عنها، أَنَّ رَجلا استَأذَنَ علَى النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّمَ، فلمَّا رآهُ قال: بئْسَ أَخُو العَشيرةً، وبًئْسَ ابنُ العَشيرة، فلمَّا جلسَ تَطَلَّقَ النَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ في وجهه، وانْبَسطَ إلَيهً، فلمَّا انْطَلَقَ الرجلُ قالت لَهُ عَائشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّه! حين رأَيتَ الرجلَ قُلتَ لَهُ: كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ في وَجهه، وَانْبَسَطْتَ إلَيهً، فقال رَسولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ: «يَا عَائشَةُ! مَتَى عَهًدتًني فَحَّاشًا، إنَّ شَرَّ النَّاس عندَ اللَّه مَنزًلة يومَ القيامةً مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتّقَاءَ شَرّهً».

وَفي روَاية في الصَّحيحَين: «إًنَّ شَرَّ النَّاس مَن تَرَكَهُ النَّاسُ، أَو وَدَعَهُ النَّاسُ اتّقَاءَ فُحْشه». وهذا الباب يحتاج إلى مزيد بيان وتفصيل والْحمد لله رب الْعالمين.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 9/7/2007

جريدة الوطن