المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأمان مع دولة بلا أحزاب ... { للشيخ عبدالعزيز العتيبي }


أبو عبدالرحمن
08-14-2007, 06:44 AM
الأمان مع دولة بلا أحزاب

الأمير واحد.. الحزب واحد.. الجماعة واحدة
الْحمد لله وحده والصلاةُ وَالسلامُ عَلَى مَنْي لا نَبًي بَعَدَه، أَمَّا بَعْدُ:
إن كيان الدولة واحد غير قابل للتفكك، من أجل مصالح ذاتية، تَحملُ من الأنانيةً ما يُفقد صاحبُها الشعور بالمسؤوليةً، ويدفعه للتضحية بمصالح الجماعة الواحدة، جماعة المسلمين العامة (الجماعة الأم)، والدولة لا تَقْبَلُ التَّمَزُّقَ لًخدمةً أَصحابً النَّضْرَةً التًي لا يُجاوزُ مداها المسافةُ بَيْنَ الأَنفً وَالعَيْنَيْنً، وقَدَّمَ مَصَالًحَهُ الفَرْدًيَّة على المصالح الجماعية- مصلحة مجتمعه وأمته-، وَلْيَعْلَمْ القَاصًيَ وَالدَّانًيَ وَأصحابَ الأحزابَ وَأُمَرائَها» الذين عملوا عبر عقودي من الزمنً على تَأَسًيسً الأحزابً التًي فَرَّقَتً الأُمَّة، وَجمع الأتباعً، وتكوين الأجنحةً ذاتً الأَنشطةً المختلفةً، والتمتع بًمستوى من التأهيل، والقدرة علَى التحرك حَيثُ وُجًّهَتْ، مَتَى مَا صَدَرَتً الأَوَامًرَ لَهَا بًذَلك.

سكرة الاستعلاء الحزبي

اعلموا عباد الله أن هذا السلوك الحزبي الذي يعيش في سكرة من الاستعلاء علَى عباد الله، وينام بأحلام الأفضلية عَلى بقية أفراد المسلمين، وَنَصَّبَ نفسه نيابةً عن الدولة وَوُلاتًها، وَكًيلاً عَلَى عقول العامة، إن هذا الدور ما هو إلا انْحراف واضح وظاهر لكل ذي عينين، وَلًمن وفقه الله إلَى منهج أهل السنة والجماعة، وَرُزًقَ سلامةُ الصدر والمعتقد.
أيها الأحزاب إن البلاد لن تكون ميدانا ومسرحا لأحزابكم، تعبثون يمنة ويسرة بمصالح العباد والبلاد، وهو القائل تعالَى: (وإذا قيل لَهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إًنَّما نَحن مصلحون أَلا إًنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)[البقرة: 11، 12]. ونقول لكم: إن الحزب الشرعي الوحيد» هو الدولة ونظامها، وأتباعه هم المجتمع بكافة أفراده، وتحدد العلاقة بينهم وفق القواعد والضوابط والنصوص الشرعية، ورأس هذا الحزب وأميره هو أمير الدولة ورئيسها، وما ترون من واقع غير ذلك فما هو إلا نوع انْحرافي فًي اتًّجاهً تَفْرًيقً جَمَاعَةً المسلمين، واستباحة العرض والدين، ونشر ثقافة الفوضى بين المسلمين.

احذروا ثقافة الفوضى

(اعتصام- مسيرة - مظاهرة - انقلاب)

فجماعة المسلمين على اختلاف ألسنتًهم وألوانًهم وأصولًهم وجذورهم، هم الحزب الذي أقره الشرع وأمير الدولة هو أمير الحزب ورأس جماعة المسلميْن. ولنا ما روى أبو داود في سننه (4248) وأصله في صحيح مسلم(1844): من حديث عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه» فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر». قلت: أنت سَمًعْت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: سَمًعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلبًي، قلت: هذا ابن عمك معاوية» يأمرنا أن نفعل ونفعل، قال: أطعه في طاعة الله، واعصه فًي معصية الله . وروى البخاري (7056)، ومسلم (1709) في صحيحيهما من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه فقال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا» أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله قال: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان». وفي قوله: «أثرة علينا» استئثار الأمراء بالحظوظ وكل شيءي لأنفسهم: أي: ولو مُنًعْنَا حُقُوقُنَا فالواجبُ الصَّبرُ بلا اعتصامي أو مظاهرة . « لا ننازع الأمر أهله» أي لا ينازعون في الملك والإمارة .فلا شغب ولا إثارة ولا تأليب للناس علَى أمرائها.

نعم لًهيبة الدولة وأميرها

هيبة ولي الأمر وتوقيره هيبة أرادها الله في كونه و أرادها فًي شرعه فروى أحمد في المسند (4/126)، والترمذي في السنن (2676)، والبيهقي في السنن الكبرى (10/114) ما صح عن العرباض بن سارية قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كَأَنَّها موعظة مودع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة» وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». وهيبة الدولة منهج يصون الإنسان عن المجازفة والانفلات وركوب الشهوات، والولاء لجماعة المسلمين والْمحافظة على الدنيا وصيانة الدين.
إننا نطالب بًهيبة الدولة وأميرها، ولا نطالب بالخوف فهناك فرق بين الهيبة والخوف، فالذي له التوقير والمهابة لا يُتَوَقَّعُ الغَدْرُ بًهً، والذي أقام أمره على الخوف، فلا بد أن هذا الخائف سيغدر به يوما ما، فالأمن من جانبه قائم على تخويفه والبطش به، فمتى ما تحرر من خوفه، خرج بثوب الفوضى وعاث في الأرض الفساد. والله تعالى يقول:(ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)[الأعراف: 56]، والأمن المبني على الهيبة، الأصل في إقامته» الحرص على مصالح الأمة، واستقرار البلاد، وإقامة منافع العباد، فإذا أمنت العقوبة وزال الخوف فالْهيبة لا تزول لتعلقها بحقوق البلاد والعباد، والتي جاءت نصوص الشرع وقواعد الشريعة جاءت بطلبه والْمحافظة عليه.

صيانة كرامة الإنسان

هل تعطيل عقول الشعوب وتسيير دهماء الناس كرم لَها أم امتهان؟ إن احتكار العقول وجعلها كالحجر الأصم، يستعمل متى شاء وفي ما شاء، ويقذف في أي اتجاه، هو محض الامتهان وعينه، والله سبحانه يقول: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) [الإسراء:70]، وَكَرَّمْنَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً مًنْ أَكْرَمَنَا، أي: كَرَّمَهُ بالعقلَ والفهمً والتمييزً، وحرية الاختيار واتخاذ القرار، وهداه إلى سبل العيش الكريم في الدنيا والآخرة، وفًي قوله تعالَى:(وفضلناهم على كثير ممن خلقنا) جعله أفضل من البهائم والأنعام ومن وحوش الطير والحيوان وغيرها كالدواب. فيا عباد الله! إن الأحرار لا تعبأ بالمظاهرات، وتترفع عن المسيرات، ولا تقبل أن تكون بَهائمَ تُقادُ مًنْ رقابًها، أو تُسَيَّرُ فًي هذه الْحشود . فاللهم احفظنا وسائر المسلمين، ووفقنا لًخيري الدنيا والدين، وَالْحمد لله رب العالًمين.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 18/12/2006 الوطن