المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طباع الضباع { للشيخ عبدالعزيز العتيبي }


أبو عبدالرحمن
08-14-2007, 06:10 AM
طباع الضباع

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، اما بعد:
ان حفظ المعروف واجب ادبي وخلق رفيع، وعرف سام، اقره الشرع ونبه عليه، وتارة يكون من المعروف والاحسان ما يدفع به الانسان الاذى عن نفسه، وذلك خاص بخصم ساء خلقه وفسد طبعه، قال الله تعالى (ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كانه ولي حميم) «فصلتـ 34»، فهو يسيء وانت تدفع بالاحسان ويكرر سوءه وتقابله بالمعروف، حتى تأسره بهذا السلوك والخلق العالي، وقال زهير بن ابي سلمى:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه
يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
قال ابو منصور الثعالبي في ثمار القلوب في (المضاف والمنسوب ـ 1/401):
«مجير ام عامر» يضرب مثلا للمحسن يكافأ بالاساءة، واصل هذا المثل ان قوما خرجوا للصيد في يوم حار، فطردوا ضبعا حتى ألجأوها الى خباء اعرابي، فاقتحمته، فاجارها الاعرابي، وحال بينها وبينهم، وجعل يطعمها ويسقيها اللبن، وبقيت عنده بخير حال، فبينما هو نائم، اذ وثبت عليه فبقرت بطنه، وشربت دمه، ومضت هاربة، وجاء ابن عم له يطلبه، فاذا هو بقير، والتفت الى موضع الضبع فلم يرها، فقال: هي التي فعلت فعلتها، والله لاجدنها واخذ كنانته واقتفى اثرها حتى ادركها ورماها فقتلها، وقال:
ومن يصنع المعروف في غير اهله
يُلاق الذي لاقى مُجير ام عامرً
اعــد لها لما استجارت ببيته
أحاليب ألبان اللقاح الدرائرً
واسمنها حتى اذا ما تمكنت
فَرتْهُ بانيـــاب لها واظـــافرً
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من
يجود بمعروف الى غير شاكرً
لذلك فعل المعروف من الصفات الحميدة والشيم العالية والقائم على عمل المعروف، وحمل همه، هم روح المجتمع، بل فؤاده النابض، وبوجود امثال هؤلاء تستقيم المصالح وتنهض الجماعة وتستمر الحياة، كالشجرة التي تحيا بوجود عروقها التي لا تُرى وهي من اسباب نمائها وثمارها، واذا عُدمت العروق او قُطعت، فقدت الشجرة الحياة.
وجحد المعروف ونكرانه وعدم الوفاء لاهله من الصفات المنبوذة عند العرب وجاء الاسلام بذمها والنهي عنها، قال تعالى (هل جزاء الاحسان الا الاحسان) «الرحمنـ 60».

حفظ المعروف من الدين ولو كان لكافر

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحفظ المعروف لاهله، كما حفظ من موقف عدي بن مطعم في مكة، فروى البخاري في صحيحه (3139) من حديث جبير بن مطعمـ رضي الله عنهـ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في اُسارى بدر:«لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم له».

حفظ النبي معروفاً لرأس المنافقين

وحفظ شيئا من ذلك لرأس المنافقين، عبد الله بن ابي سلول، الذي اكثر من ايذاء النبي صلى الله عليه وسلم، لما روى البخاري في صحيحه (1350) من حديث جابر بن عبد اللهـ رضي الله عنهماـ قال: اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن ابي بعد ما ادخل حفرته، فامر به فاخرج، فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، والبسه قميصه، فالله اعلم. وكان كسا عباسا قميصا.
قال سفيان: وقال ابو هارون يحيى: وكان على النبي صلى الله عليه وسلم قميصان فقال له ابن عبد الله: يا رسول الله البس ابي قميصك الذي يلي جلدك، قال سفيان: فيرون ان النبي صلى الله عليه وسلم البس عبد الله قميصه مكافأة لما صنع.

(فكان كعب لا ينساها لطلحة)

وكذلك كان هذا دأب اصحابهـ رضي الله عنهمـ من بعده:
روى مسلم في صحيحه (2769) في قصة توبة كعب بن مالكـ رضي الله عنهـ قال كعب بن مالك: فما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني فنزعت له ثوبي فكسوتهما اياه بشارته والله ما املك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت اتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة.
وقال السلمي في (آداب الصحبة): والصحبة مع الاخوان بدوام البشر، وبذل المعروف، ونشر المحاسن، وستر القبائح، واستكثار قليل برهم، واستصغار ما منك اليهم، وتعهدهم بالنفس والمال، ومجانبة الحقد والحسد، والبغي والاذى، وما يكرهون من جميع الوجوه، وترك ما يعتذر منه. ا هـ

حفظ المعروف للشيخ والمعلم

ومن ذلك حفظ المعروف مع من علمك حرفا صحيحا او دلك على خير، او كان له فضل في معرفة العلوم الشرعية، والسبيل الى ادراكها، فكل يحفظ حقه ويقابل صنيعه بمعروف دون تنازل عن الحق والصواب في الكتاب والسنة وما عليه الاصحاب رضي الله عنهم اجمعين، والحمد لله رب العالمين.

د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 20/11/2006 الوطن