المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بنو أمية النجباء (3/3) { للشيخ دغش العجمي }


أبو عبدالرحمن
08-14-2007, 05:59 AM
بنو أمية النجباء (3/3)

أسباب كثرة الافتراء على بني أمية

أما سبب كثرة الافتراءات على الأمويين، فقد بينه الدكتور عبد الشافي في كتابه السابق ص (أـجـ) من المقدمة، في معرض كلامه عن سبب تأليفه كتابه ذلك حيث قال: «ولقد كان الدافع لهذا العمل، أن تلك الحقبة من تاريخ المسلمين، لا تزال في حاجة إلى دراسة واعية متأنية، يكون رائدها البحث عن الحقيقة التاريخية المجردة، مستقاة من أوثق مصادرها، وإلى كلمة حيادية منصفة، تقوم على تحليل الروايات، ومقارنة الحوادث، واستنطاق النصوص التاريخية، ذلك لأن معظم الكتابات المعاصرةـ وهي كثيرةـ التي تناولت هذا العصر، اتخذت موقفا معاديا للأمويين، معتمدة في ذلك على روايات خصومهم، أو آراء ذوي الهوى والميول من المؤرخين، فجاء تاريخ خلفائهم وولاتهم مشوها، يشوبه كثير من الزيف والتحريف، والبعد عن حقائق التاريخ، وقد تضافرت عدة عوامل أسهمت في ذلك التشويه، وصبغت عصر بني أمية بألوان قاتمة مظلمة، منها:
1ـ أن معظم الأمويين، وقفوا من الرسالة المحمدية موقف العداء المطلق، وحملوا لواء معارضتها، وشن الحرب ضدها أكثر من عشرين عاما، ولم يدخلوا الإسلام إلا عند فتح مكة سنة (8 هـ).
ومع أنهم أسلموا، وحسُن إسلامهم، إلا أن بعض خصومهم، استغلوا هذا الموقف، واتخذوا منه ذريعة للنيل منهم، والتشهير بهم.
2ـ أن بني أمية دخلوا في صراع سياسي مع آل البيت، منذ مقتل عثمانـ رضي الله عنهـ فمالت عواطف كثير من المسلمين إلى آل البيت، نظرا لمكانتهم في نفوس الناس.
وعمق هذا الشعور، ما تعرض له بعض أفراد آل البيت من المآسي، مما خلق شعورا يكاد يكون عاما، بالكراهية للأمويين، حيث لم يكن من السهل على أي مسلم، مهما كان مذهبه واتجاهه السياسي، أن يرضى عن حادث مقتل الحسينـ رضي الله عنهـ ذلك الحادث الذي شغل حيزا كبيرا في كتب المؤرخين، وأساء إلى سمعة الدولة الأموية.
3ـ ما وقع فيه بعض خلفاء وولاة بني أمية من أخطاء جسيمة.
4ـ كثرة أعداء بني أمية، من الخوارج، ومن الحاقدين عليهم، والطامعين في الحكم، مثل المختار الثقفي، وابن الأشعث، وابن المهلب وغيرهم، مما اضطر الأمويين إلى الدخول معهم في معارك طاحنة، والتنكيل بهم.
وفوق ذلك الموالي من الفرس، الذين لم ينسوا زوال دولتهم على أيدي العرب، فصبوا جام غضبهم على الأمويين، واتهموهم بالتعصب ضدهم.
تجمعت كل هذه العناصر الموتورة، وكان لكل منها، شعراء وخطباء، ونقلة للأخبار ورواة، وراحت تبث الشائعات في جوانب العالم الإسلامي، وتضخم الأخطاء الصغيرة، وتفتعل الأكاذيب، وتلفق الروايات عن العصر الأموي ورجاله.
كما شارك دعاة بني العباسـ إبان المرحلة السرية لدعوتهم، والتحضير للثورة على الدولة الأمويةـ في هذا التيار، وأخذوا يركزون على تشويه سمعة الخلفاء والولاة، ليخلقوا رأيا عاما معاديا للدولة، وقد نجحوا في ذلك نجاحا كبيرا.
5ـ ظلت هذه الأخبار والشائعات، يتردد صداها على ألسنة الناس، حتى بدأ عصر التدوين، فدون المؤرخون كل ما وصل إلى سمعهم، وسواء أكان حقا أم باطلا.
وكان من سوء حظ الأمويين، أن تاريخهم دُوًّن في عصر خصومهم العباسيين.
وقد لعبت الخصومةـ التي بلغت حد استئصال شأفة الأمويين، ونبش قبورهمـ دورها في تشويه هذا التاريخ، وطمس معالمه.
لقد أدت تلك العوامل مجتمعة، إلى تشويه كثير من جوانب التاريخ السياسي لعصر بني أمية، وتزييف عديد من حقائقه، وتلفيق الشائعات والأباطيل، حول خلفائه وولاته» أ هـ.
وقال الدكتور محمد السيد الوكيل، في مقدمة كتابه «الأمويون بين الشرق والغرب» (5/1ـ6): (لم تكن الدولة الأموية، نشازا في العالم الإسلامي، كما يدعي بعض المستغربين.
ولم تكن حدا فاصلا بين نظام الدولة الإسلامية في عهد الخلافة الرشيدة، وبين النظام الذي قامت على أساسه، كما يزعم بعض المتقولين! الذين يروجون لدعوة كاذبة، بأن الدولة الإسلامية، لم تكن إلا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين!
وإنما كانت دولة إسلامية أصيلة، وإن حدث فيها بعض التجاوزات، التي لا تعيبها حقيقة كدولة، وإنما تؤخذ على بعض الخلفاء الذين حصل منهم هذه التجاوزات.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هؤلاء المتجاوزين بشر يقع منهم الخطأ، كما يقع من غيرهم، لارتفع هذا اللوم العنيف، الذي يوجه إليهم.
نعم إن كذبة الأمير بلقاء مشهورة، وخطأه ليس كخطأ العامة، ولكنه ما دام غير معصوم، فالخطأ حاصل لا محالة، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقرر تلك الحقيقة حين يقول: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون».
على أننا ينبغي أن نعلم أن كثيرا من التهم التي ألصقت بالخلفاء، وبخاصة بني أمية، لم تثبت صحتها، وإنما كانت من وضع أعدائهم....).
ثم قال:(إن الذين استباحوا لأنفسهم الكذب، لا يتورعون عن إلصاق التهم بغيرهم، ولا يكفون عن تشويه حياة أعدائهم.
ولست أريد من رواء ذلك تبرئة خلفاء بني أمية من كل ما ينسب إليهم، ولكني أريد توضيح حقائق لا ينبغي أن تخفى على الباحث، وهي أن كثيرا مما وجه للخلفاء من التهم، زيف لم يستطع أحد إثباته بطريق يمكن التسليم به).
ثم قال الدكتور الوكيل في ص(8ـ9):(إن الدولة الأموية التي فتحت بلاد الهند والسند، حتى وصلت حدود الصين شرقا، وواصلت فتوحاتها في المغرب العربي، بل وجاوزته إلى أوروبا، حتى فتحت الأندلس، ووصلت جنوب فرنسا، هذه الدولة، لا يمكن أن تسلم من ألسنة المستشرقين والمستغربين على حد سواء، لأن هذه الفتوحات المذهلة، أورثت الأعداء حقدا لم يستطيعوا إخفاءه، ولم يقدروا على تجاوزه، بل ظلوا يجترونه قرونا طويلة، حتى واتتهم الفرصة، بإصابة الدولة الإسلامية بالشيخوخة، التي تصيب الأمم دائما من غير تفريق، فانقضوا عليها وهي تحتضر، ليأخذوا منها ثأرهم، وهي على فراش الموت.
ومهما قال الحاقدون عن الأمويين، ومهما أثاروا الزوابع والعواصف من حولهم، فإن تاريخهم حقبة مشرقة من أحقاب التاريخ الفذ.
وسيرى الدارس لهذه الحقبة ما نشروه من الحضارة، وما خلفوه وراءهم من النظم، وما أنجبوا من القيادات، التي ساقت جيوشهم من نصر إلى نصر، حتى دان لهم أكثر من نصف الأرض المعروفة في تلك الفترة من الزمان.
وإذا تركنا الأمويين في الشرق، لنلقي نظرة على دولتهم في الغرب، نرى ما لم يخطر لأحد على بال في تلك الفترة، نرى حضارة في العمران، في القصور الرائعة، والمساجد المبهرة، نرى الحدائق في البيوت والميادين، نرى الشوارع المرصوفة والأسواق العامرة) انتهى المقصود من كلام الدكتور.
صقر قريش ويبقى بنو أمية رغم الإبادة!
بعد أن قام بنو العباس بإبادة جماعية لبني أمية، تفلت بعض الأمويين وفروا هاربين، وكان من الأمويين الفارينـ رغم الأمان الذي بذله له أعوان العباسيينـ عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك المعروف بعبد الرحمن الداخل «صقر قريش»، لقد قطع النهر سباحة وانتهز من العباسيين غفلتهم فجمع الأعوان وجيش الجيوش وذهب إلى الأندلس، وغامر مغامرات عجيبة غريبة عنيفة حتى وصل إلى سدة الحكم، وأعاد الدولة الأموية من جديد، ولكن في الغرب لا الشرق.
هكذا قامت دولة الأمويين في الغرب أقامها رجل واحد منهم.
قال أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي لبعض جلسائه: أخبروني من صقر قريش من الملوك؟
فقال بعضهم: ذاك أمير المؤمنين الذي راض الملوك، وسكن الزلازل، وأباد الأعداء!!
قال: ما قلتم شيئا! وقال بعضهم: فعبد الملك بن مروان. قال: لا..
فقالوا: من هو يا أمير المؤمنين؟
قال: صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحار، وقطع القفار، ودخل بلدا أعجميا، منفردا بنفسه، فمصّر الأمصار، وجند الأجناد، ودوّن الدواوين، وأقام ملكا عظيما بعد انقطاعه بحسن تدبره، وشدة شكيمته...
إن عبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه، وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور وقتل المارقين وأذل الجبابرة الثائرين.
فقالوا جميعا: صدقت يا أمير المؤمنين.
تلك شهادة له من عدو، آثر أن يقتل بني أمية، وأن يدفن آثارهم فلا يتكلم بها أحد، ولكن شجاعة عبد الرحمن وحزمه، جعلت الخليفة يشيد به، ويذكر محاسنه مرغما، والفضل ما شهدت به الأعداء.
ومن العجائب في هذا أن عبد الرحمن الداخل حكم ثلاثا وثلاثين سنة، ومن بعده من بني أمية عمّروا في حكمهم بخلاف بني العباس.
فمنذ دخل عبد الرحمن الأندلس إلى ولاية الناصر مات من بني أمية في المغرب سبعة خلفاء في الوقت الذي مات فيه من بني العباس اثنان وعشرون خليفة، ولله الحكمة البالغة.
وعلى الرغم من سعي النصارى في أوروبا على إزالة هذه الدولة الفتية إلا أنها تخرج في كل معركة منهزمة سوى معركة واحدة في عهد عبد الرحمن الناصر.
خاتمة:
وبعد هذا فمهما قالوا عن الأمويين، ومهما أثاروا الزوابع والعواصف من حولهم، فإن تاريخهم حقبة مشرقة من أحقاب تاريخ أمتنا الفذ.
ومما يجدر بنا أن نشير هو أن الطاعنين في بني أمية لم يُعلم عنهم أنهم نصروا الإسلام أو جاهدوا مع المسلمين، أو فتحوا مصرا بالسيف، أو ذكر له تاريخ في كتب السير والمغازي سوى أنهم كانوا يعينون النصارى والكفار على المسلمين ويسعون في سفك دمائهم، ويبقى ذكر بني أمية في سجلات التاريخ شاهدا على بطولتهم ودينهم وشجاعتهم وتمسكهم بالسنة.
هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرّ الميامين والله تعالى أعلم وهو أعز وأكرم.

دغش بن شبيب العجمي

تاريخ النشر: الاثنين 13/11/2006 الوطن