المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بنو أمية النجباء (3/1)


أبو عبدالرحمن
08-14-2007, 03:50 AM
بنو أمية النجباء (3/1)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، اما بعد:
بين الفينة والأخرى يخرج لنا بعض الناس بأمور يثير بها الفتنة، ويخالف بها الحقائق، ويغالط الوقائع، ومن تلك الترهات الطعن في بني أمية ملوك الإسلام العظام وسبهم عن بكرة أبيهم ولعنهم واختلاق الأحاديث والأقوال الشنيعة فيهم، ورميهم بكل قبيحة ورذيلة، وكُلي ظلم وبغي، والكذب عليهم كذبات لا يسترها الليل وإن طال، ولا مغيب الشمس ولو حُرمت الشروق والزوال.
وأعظم منه تفسير القرآن بأهواء وآراء ما أنزل الله بها من سلطان، كتفسير قوله تعالى (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن) بأنهم بنو أمية!!
وزادوا في الافتراء فوضعوا الأحاديث على النبي صلى الله عليه وسلم في ذم بني أمية؟!
يقول الإمام ابن القيم (ت 751هـ) في [المنار المنيفـ 117]: »وكل حديث في ذم بني أمية فهو كذب، وكل حديث في مدح المنصور والسفاح فهو كذب«.
ومعلوم أن من بني أمية خيار هذه الأمة وأبطالها كعثمان بن عفان وخالد بن سعيد بن العاص أحد السابقين الأولين وكان خامس خمسة في الإسلام (انظر: سير أعلام النبلاءـ1/260) وأخواه أبان وعمرو واستشهدوا ثلاثتهم يوم أجنادين رضي الله عنهم.
ومنهم معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين، وأخوه يزيد بن أبي سفيان ووالدهما أبو سفيان صخر بن حرب وغيرهمـ رضي الله عنهمـ ثم بعدهم ملوك الإسلام وأمراء المؤمنين.
ومعلوم أن خلفاء بني أمية من خيار ملوك المسلمين، ولا أدل على ذلك ولا أظهر، من كثرة فتوحاتهم، وما خصهم الله عز وجل به ويسره على أيديهم، من نشر الإسلام وتمكينه في الأرض، حتى أصبح المسلم عزيزا، ولا تجرؤ أمّةيـ وإن عظمتـ على انتقاص قدره، أو هضم حقه.
وعهد بني أمية من خير عهود الإسلام، ففيه انتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وانحسر الكفر وكبت.
وفيه انتشر العلم والفقه، ودُوًّن الحديث، ودُوًّن التفسير، وعمَّ الرخاء في العالم الإسلامي، حتى بلغ الحال بالمسلمين في بعض عهود بني أمية، ألا يجدوا محتاجا يأخذ زكاة أموالهم، لغنى المسلمين وكفايتهم، على الرغم من اتساع الرقعة وكثرة المسلمين.
ويشهد لفضلهمـ على الجملةـ قوله صلى الله عليه وسلم:»خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم« [رواه البخاري ومسلم].
وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان كثير من عماله في البلدان من بني أمية، وكذا عمال أبي بكر وعمال عمر وعثمان وماتوا وهم عنهم راضون.
بل هم بنو عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، ويجتمعون مع النبي صلى الله عليه وسلم في نسب واحد، وجد واحد، فكلهم من قريش وفضل قريش على غيرهم ظاهر.
ويشهد لفضل بني أمية على العموم، قول الله تعالى (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)، فالله قد مكن لبني أمية في الأرض، وبدّل خوفهم أمنا، ونصرهم في جهادهم، حتى فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، من »كاشغر« على حدود الصين في الشرق، إلى الأندلس وجنوب فرنسا في الغرب، ومن بحر قزوين في الشمال، إلى المحيط الهندي في الجنوب.
فهل بعد هذا النصر نصر؟! وهل بعد هذا التمكين تمكين؟!
وهذه الأمور وغيرها زادت غيظ الحاقدين والمتربصين بالمسلمين، فأخذوا يلفقون الأكاذيب والأباطيل، محاولين تشويه عصر بني أمية، ونشروها بين الناس، خاصة عندما اشتد عود دعوة العباسيين في آخر عهد الدولة الأموية.
وهكذا استمرت هذه الحملة بل الحملات، حتى بعد سقوط الدولة الأموية.
وكان ممن يروج هذه الشائعات أهل البدع بعمومهم، فقد أقضَّت هذه الدولة الفتيَّةُ مضاجعهم، وكسرت شوكتهم، وأبطلت شبههم، كما أقضَّت مضاجع إخوانهم من الروم والفرس وسائر الكافرين.
يعاونهم في ذلك كل طوائف الضّلال، من منافقين أبطنوا الكفر، وأظهروا الإسلام خوفا من المسلمين، ومن مبتدعة كرهوا ما كانت عليه الدولة الأموية من نشر السنة، والعقيدة الصحيحة ومحاربة البدع.
إن الدولة الأموية التي فتحت أوروبا والأندلس، ووصلت إلى جنوب فرنسا، هذه الدولة لا يمكن أن تسلم من أيدي المستشرقين الذين أبغضوها، لأنها أدخلت الإسلام في أوروبا.
بل بعض الجهال تأثروا ببعض الدعوات التي أطلقها الحاقدون في بني أمية، فعيَّر بعضهم بني أمية بأنهم عادوا الإسلام في بداية عهده! وأنهم لم يسلموا إلا في أواخر عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
أبناء الطلقاء
يقول الدكتور عبد الشافي بن محمد عبد اللطيفـ أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهرـ في كتابه »العالم الإسلامي في العصر الأموي« ص(بـد) راداً على أولئك الجهال وغيرهم: »لئن كان بعض الأمويين عادى الإسلام في البداية، وتأخر إسلامهم إلا أنهم لما أسلموا عام الفتح، أظهروا من حسن البلاء في الفتوحات، وقاموا بأدوار بارزة في رفع راية التوحيد، وأبدوا من الحب لدين الله، والجهاد في سبيله، ما لفت إليهم الأنظار، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسند إلى كثير منهم أجل الأعمال وأخطرها، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون الثلاثة من بعده.
ولكن على الرغم من ذلك كله، فإن بعض الكتاب والمؤرخين، سواء ممن اندفعوا وراء رغبة العباسيين، والتقرب إليهم بالإساءة إلى الأمويين، أو ممن سيطر عليهم الهوى، وأعماهم التعصب المذهبي لم يستطيعوا التخلص من نظرتهم إليهم قبل إسلامهم، فراحوا يعيرونهم بأنهم « الطلقاء وأبناء الطلقاء! »ونسوا أن الإسلام يجُبّ ما قبله، بل وصل ببعضهم إلى حد اتهامهم بالكفر«.
ثم قال الدكتور عبد الشافي كذلك في ص(7ـ8) من كتابه المذكور: »ومع أن الجميع أسلموا بعد فتح مكة، وحَسُن إسلامهم، وأبلوا بلاء حسنا في نصرة الإسلام، وإعلاء كلمة الله، إلا أن بعض الناس نسي كل عداوات قريش للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر إلا عداء بني أمية!! وكأنهم وحدهم الذين وقفوا هذا الموقف!!
ومع أن الإسلام يجُبُّ ما قبله، إلا أن بعض ذوي الأهواء، لا يريد أن يفهم ذلك، ولا يكفون عن ذكر المواقف السيئة لبني أمية، التي كانت قبل إسلامهم، وكأن القوم ما أسلموا!! وما جاهدوا في الله حق جهاده!!
حتى إن هؤلاء المدعين لتأصيل العداوة بين البيتين (بني هاشم وبني أمية) قديما، نسوا أن بعض بني أمية، كانوا من السابقين إليه من بني هاشم، فقد كان عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، من السابقين إلى الإسلام، وكذلك كان أبناء سعيد بن العاص: خالد بن سعيد، وعمرو بن سعيد، من السابقين إلى الإسلام، فقد أسلم خالد بن سعيد بن العاص وكان خامسا في الإسلام كما تقول ابنته أم خالد: »كان أبي خامسا في الإسلامـ أي أسلم بعد أربعة سبقوه فقطـ وهاجر إلى أرض الحبشة، وأقام بها عشر سنين، وولدت أنا بها«.
وكذلك أسلم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص، وهاجر الهجرتين، ثم لحق بهما أخوهما، أبان بن سعيد [السير للذهبيـ 1/261]، وكذلك خالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، من كتاب الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم.
لكن على الرغم من إسلام هؤلاء الرجال من بني أمية، منذ البداية، وتضحياتهم وهجرتهم إلى الحبشة، وعلى الرغم من إسلام جميع بني أمية عند فتح مكة، وترحيب الرسول بهم، وفرحة بإسلامهم، والاعتماد عليهم في جلائل الأعمالـ كما سنذكره بعد قليلـ إلا أن كل ذلك لم يشفع عند أصحاب الأهواء، حتى الكلمة الطيبة، التي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم في معرض العفو العام عنهم وفي اليوم الذي سماه يوم بر ووفاء، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: »اذهبوا فأنتم الطلقاء« حتى هذه الكلمات، جعل بعض الناس منها، سُبَّة في جبين بني أمية وحدهم! وجعلوا يعيرونهم بأنهم الطلقاء، وأبناء الطلقاء!
ولم يفهموا أن هؤلاء الطلقاء وأبناءهم، قد أسلموا، وحسن إسلامهم، وكانت له مواقف مشهودة في نصرة الإسلام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعده في الفتوحات في عهد خلفائه الراشدين..
ثم قال الدكتور عبد الشافي ص (9):
(فتعيير الأمويين بأنهم الطلقاء، وأبناء الطلقاء، يكشف عن الحقد الدفين، عند بعض الغلاة...
فبنو أمية يدخلون في جملة مسلمة الفتح، الذين وعدهم الله بالحسنى في قوله تعالى (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير).
الله سبحانه وتعالى يعدهم بالحسنى، جزاء قتالهم وجهادهم، حتى مع تأخر إسلامهم، رحمة منه سبحانه وتعالى.
ولكن بعض أصحاب الأهواء من المؤرخين، يأبى إلا أن يرميهم بالكفر، نعيذ أنفسنا وإياهم بالله من ذلك).
الأمويون في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
وكذلك الأمر عند الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقد استخلف جماعة منهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنةـ 7/192): »وقد استعملهم أبو بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه«.
قلت: أمَّر أبو بكر خالد بن سعيد على بعض الجيوش في غزو الشام [السيرـ 1/260] ويزيد بن أبي سفيان جعله الصديق أحد الأمراء الأربعة الذين ندبهم لغزو الروم [السيرـ 1/329].
قال الدكتور عبد الشافي في كتابه السابق (12ـ13):
( لحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، بعد أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وبويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة، فسار على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، في استعمال بني أمية، والاستعانة بهم في جلائل الأعمال.
وقد استجابوا للصديق، ولكنهم فضلوا الجهاد في سبيل الله على الأعمال الإدارية، فاشتركوا في معارك الإسلام الكبرى، في عهدي الصديق والفاروق، سواء في حروب الردة، أو في معارك الفتوح في الشام وفارس..).
ثم ذكر أمثلة ذلك، وعزاها لبعض كتب التاريخ والسير، ثم قال ص (14) : »وهكذا استمر الأمويون يعملون في عهد أبي بكر، مجاهدين في سبيل الله مفضلين ميادين القتال على الأعمال الإدارية، ولو كانوا يبحثون عن المناصب، والجاه والمال، لقعدوا في ولاياتهم، وأعمالهم الإدارية، كما طلب منهم أبو بكر).
الأمويون في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه
عندما توفي الصديقـ رضي الله عنهـ في سنة 13هـ وبويع الفاروق بالخلافة سار على نهج صاحبيه في استعمال بني أمية، والثقة بهم فلم يعزل أحدا منهم من عمل، ولم يجد على أحد منهم مأخذا، والكل يعرف صرامة عمر في مثل هذه الأمور وتحريه في أمر ولاته وعماله، وتقصيه أعمالهم وأخبارهم ومحاسبتهم بكل دقة وحزم، فاستمرارهم في عهده يدل في أمانتهم وكفايتهم، فقد بقي يزيد بن أبي سفيان واليا على دمشق كما زاد عمر في عمل معاوية بالشام، فقد ضم إليه ولاية حمص فوق ما كان يتولاه من الأعمال.
وهكذا استمر في خلافة الفاروق، وكانوا من خيرة عماله، ولا يعرف عنه أنه عزل أحدا منهم رضي الله عنه. عنه.

تاريخ النشر: الاثنين 30/10/2006

الوطن