المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قوت القلوب { للشيخ دغش العجمي }


أبو عبدالرحمن
08-14-2007, 03:30 AM
قوت القلوب

يقول الله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد من رزق وما أريد أن يطعمون)، وهذا تصريح بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خُلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة فيها، فإنها دار نفادي لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حُبور، ومشرع انفصام لا موطن دوام، فلهذا كان الأيقاظ من أهلها هم العباد، وأعقل الناس فيها هم الزهاد، قال الله تعالى (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون[ والآيات في هذا المعنى كثير].
ولقد أحسن القائل:
إن لله عبادا فُطناً طلَّقوا الدنيا وخافوا الفتناَ
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطناَ
جعلوها لُجّةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سُفناَ
أيها القارئ الكريم: الحصن الحصين، والدرع الواقي، والسلاح الذي لا يُثلم، ذكر الله، والمرء في هذه الحياة الدنيا محاط بالأعداء من كل جانب، نفسه الأمّارة بالسوء، تورده موارد التلف، وكذلك هواه والشيطان، فهو في حاجة إلى ما يعصمه ويسكن مخاوفه، ويهدي نفسه، ويطمئن قلبه وليس له إلا ذكر الله (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
وقد أمرنا الله جل وعلا بذكره فقال: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا)، وقد جاءت الآيات في القرآن في بيان أهمية الذكر في صور كثيرة، فمن ذلك: النهي عن الغفلة وهي ضد الذكر فقال سبحانه (ولا تكن من الغافلين).
وعلق الله الفلاح باستدامة الذكر وكثرته فقال سبحانه (واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)، وأثنى على أهله وأخبر بما أعد لهم من الجنة والمغفرة فقال {إن المسلمين والمسلمات} إلى قوله تعالى (والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما)، وفي المقابل أخبر عن خسران من لهي عن الذكر بغيره فقال جل وعلا (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون)، وجعل الله ذكره للذاكرين جزاء لذكرهم له فقال (فاذكروني اذكركم)، وأخبر أن ذكره أكبر من كل شيء فقال (ولذكر الله أكبر)، وجعله خاتمة الأعمال الصالحة كما كان مفتاحا فختم به الحج في قوله (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا)، وختم به الصلاة فقال (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم).
ومدح المؤمنين المتصفين به فقال (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض).
أيها الأحبة: هذا وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإكثار من ذكر الله وبين ما فيه من الفوائد الجسام والأجور العظام في أحاديث كثيرة، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: »ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتها وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى«.
وعن الحارث الأشعريـ رضي الله عنهـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »إن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعملن بهن، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فجمع بني إسرائيل فقال: إن الله أوحى إليَّ بخمس كلمات أن أعمل بهن، وأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن.. قال: وآمركم بذكر الله كثيرا، ومثل ذكر الله كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره حتى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله..« [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني].
قال الإمام ابن القيمـ تعليقا على هذا الحديثـ:»ولو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقا بالعبد ألا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهجا بذكره، فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلآ من باب الغفلة، فهو يرصده، فإذا غفل وثب عليه وافترسه وإذا ذكر الله انخس عدو الله وتصاغر، وانقمع حتى يكون كالذباب«.
ومما جاء في فضيلة الذكر أنه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن بُسرـ رضي الله عنهـ أن رجلا قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: »لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله« [رواه الترمذي].
وعن معاذ بن جبلـ رضي الله عنهـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: »يا معاذ والله إني لأحبك، فقال: أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم إني اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك« [رواه أبو داود وصححه الألباني].
ومما جاء في فضيلة الذكر عظيم أجر الذاكر فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرةـ رضي الله عنهـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :»إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال: فيخفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا..«.
وفي آخر الحديث يقول الله: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. قال يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم.
وعنهـ رضي الله عنهـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاثة لا يرد الله دعاءهم: الذاكر الله كثيرا، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط«. [رواه البيهقي وحسنه الألباني].
وجاء الحديث أن الله يباهي بالذاكرين الملائكة، عن معاوية بن أبي سفيانـ خال المؤمنين رضي الله عنهـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنَّ به علينا، قال: الله، ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال:»أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة«. [رواه مسلم].
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا للذي يذكر ربه والذي لا يذكره فقال فيما رواه البخاري ومسلم: »مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت«وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيميةـ رحمه اللهـ: »الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟!«
وروى مسلم عن أبي هريرةـ رضي الله عنهـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده«.
فذكر الله قوت القلوب الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارة الديار إذا تعطلت عنه صارت بورا، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الحريق، أهل الذكر يستدفعون بذكر الله الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليه به المصيبات، إذا أظلهم الكلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون..يدع القلب الحزين ضاحكا مسرورا، ويوصل الذاكر إلى المذكور بل يدع الذاكر مذكورا.
والخير كله في ذكر الله كما روى البيهقي عن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديقـ رضي الله عنهـ أنه قال: »ذهب الذاكرون الله بالخير كله«.
فالذكر يُرضي الرحمن، ويطرد الشيطان ويزيل الهم والغم عن القلب، ويجلب له الفرح والسرور والبسط، ويقوي وينور القلب والبدن والوجه، ويجلب الرزقن ويكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة، ويورث المحبة التي هي روح الإسلام، ويورث المراقبة حتى يدخل العبد في باب الإحسان فيعبد الله كأنه يراه، ويُورث الإنابة وهي الرجوع إلى الله.
فلنعمر قلوبنا بذكر الله، لا سيما في شهر الخير والبركة والرحمة، شهر النفحات الربانية، جعلنا الله وإياكم من الذاكرين الشاكرين.

كتبه دغش بن شبيب العجمي

تاريخ النشر: الاثنين 9/10/2006 الوطن