المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا تركضوا خلف الوسطية { للشيخ عبدالعزيز العتيبي }


أبو عبدالرحمن
08-14-2007, 02:53 AM
لا تركضوا خلف الوسطية وابحثوا عن علاقتها بالإسلام

كتب:د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
نعود ونقول ما تعريف الوسطية؟ حتى نقف على كنهها ومعناها وقربها وبعدها من الكتاب والسنة واللسان العربي، والحق أنه لا ضابط لها، لقد كان السلف من القرون الثلاثة وما سار على نهجهم يجتنبون الكلام المجمل وينهون عنه، فليس له حد ظاهر أو ضابط معروف، فكلي يصدر عنه بما فهًم أو يأخذ منه ما وافق هواه، والذي جرى عليه أهل العلم في التصنيف والتأليف والتعليم والتفهيم أن التعريف ينبغي أن يُجتنب فيه الألفاظ التي ربما أوقعت في اللبس.
والوسط مفهوم عام كما بيناه في المقال السابق، واعتدال في السلوك الإنساني مطلوب في الغالب من كل البشر، المسلم وغير المسلم على حد سواء، حتى ينعم الناس بحياة هادئة في المجتمع الإنساني، هذا في السلوك وأمور الدنيا، وإما إن تعلق الأمر بالدين والمعتقدات والعبادات، فلا بد من رد الأمور إلى الكتاب والسنة، كما في قوله تعالى {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله{ [الشورى- 10]، وقال {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا{ [النساء- 59].
فنجد أن المراد من العبادة الاستقامة على أمر الله، والتمسك بلفظه ومعناه، ولا نبحث في ديننا عن وسط، وتوسط، ووسطية، بل كل ما جاء من عند الله ما نقول فيه إلا سمعنا وأطعنا.
وأعلم يا عبد الله، أن بعضا من الأمة وقع في مخالفة الاستقامة، وهم على مراتب قربا وبعدا عن الصراط المستقيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم [1/6]: فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم، وهم الأعاجم.
وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا إخبارا عن جميع الأمة بل قد تواتر عنه أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة»، وأخبر صلى الله عليه وسلم: «أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة»، و«أن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته» [فعلم بخبره الصدق أن لا بد أن يكون في أمته قوم متمسكين بهديه الذي هو دين الإسلام محضا]، وقوم منحرفين إلى شعبة من شعب دين اليهود أو إلى شعبة من شعب دين النصارى وإن كان الرجل لا يكفر بهذا الانحراف، بل وقد لا يفسق أيضا، بل قد يكون الانحراف كفرا، وقد يكون فسقا، وقد يكون سيئة، وقد يكون خطأ.
وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان، فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا.

الوسط ما جاء الشرع بذكره وسطا

(أولا): الوسطى هي صلاة الصبح، لأنه حصل في النهار التام صلاتان، الظهر والعصر، وفي الليل صلاتان، المغرب والعشاء، وصلاة الصبح كالمتوسط بين صلاتي الليل والنهار.
(ثانيا): الوسطى هي صلاة الظهر، تقع وسط النهار، وليس في المكتوبات صلاة تقع في وسط الليل أو النهار غيرها، وأنها بين صلاتين نهاريتين الفجر والعصر، وأنها صلاة بين البردين، برد الغداة وبرد العشى.
(ثالثا): الوسطى هي صلاة العصر، وسط بين صلاتين بالنهار، الصبح والظهر، وصلاتين بالليل المغرب والعشاء.
(رابعا): الوسطى هي صلاة المغرب، فهي وسط في الطول والقصر، لأنها بين الركعتين والأربع، ولأنها وتر النهار.
(خامسا): الوسطى هي صلاة العشاء، قالوا: لأنها متوسطة بين صلاتين لا يُقصران المغرب والصبح، وذلك أنها تجيء في وقت نوم، وأيضا قبلها صلاتان وبعدها صلاتان، وبما أن الصلاة عبادة فأمر تفسيرها إلى الله ورسوله، ودع عنك ميزان المصطلحات.
ولذا فالراجح أنها العصر، لما روي عن علي وابن مسعود- رضي الله عنهما- وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فروى البخاري [6396]، ومسلم [627] في صحيحيهما من حديث علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فقال:« ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، كما شغلونا عن صلاة الوسطى، حتى غابت الشمس وهي صلاة العصر».
وفي رواية مسلم عن شتير بن شكل عن على قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم يوم الأحزاب:«شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء».
وفي رواية لمسلم في صحيحه [628] عن عبد الله قال: حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا، أو قال: حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا».
ومما تقدم وجدنا أنهم قالوا: عن صلاة الصبح وسط، والظهر وسط، والعصر وسط، والمغرب وسط، والعشاء وسط، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العصر هو الوسط، فاكتسب مسماه من الشرع لا من غيره، والباقي حقه الإهمال فلا دليل عليه، فما سماه الشرع وسطا نسميه كذلك، ونطلق عليه لفظ الوسط وما لم يسمه الشرع وسط، فلا نسميه ولا نصفه بالوسط ولا كرامة، وبهذا يظهر أن المطلوب شرعا هو التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، لا نجاوز ذلك ونبتدع توسطا و(وسطية) نضبط بها المعتقدات والعبادات.

هل الوسطية بمفهومها المجهول
علاج لأهل الشذوذ والانحراف؟!

إننا نسلط الطريق الشاذ لمعالجة الشذوذ؟ لم يكن هناك توسط واعتدال في اختيار مفردة لغوية من اللسان العربي، بل كان الأمر هو العدول إلى لفظة شاذة الاستعمال (الوسطية)، وهل من الاعتدال والتوسط الانطلاق لمحاربة الشذوذ والانحراف؟ بلفظ شاذ في عالم العربية والألفاظ الشرعية، قلما يدور على ألسنة أهل البيان والفصاحة، حتى يسهل فهمه وإدراكه، والفصاحة قال عنها في القاموس المحيط [1/299]: اللفظ الفصيح: ما يُدرك حسنه بالسمع، وقال ابن منظور في اللسان [2/544]: وأفصح تكلم بالفصاحة، وكذلك الصبي يقال: أفصح الصبي في منطقه إفصاحا إذا بينه وكشفه.أ هــ.
أيعقل أن لفظا شاذا -(الوسطية!)- لم يتناقله علماء الأمة وجماهير الفقهاء، نادرا ما يطرق الأسماع على مر القرون والعصور، نتوقع مع هذه الشذوذ والندرة في الاستعمال إن تُدرك الأفهام هذه الوسطية بيسر وسهولة ويكون فيه الدواء للداء؟ ندع التيسير على الناس ونسلك التعسير، ونقول نحن دعاة تيسير وتبشير! ونحارب التكفير والتفجير.

الصحابة لا يتكلفون الألفاظ
المجملة والمصطلحات الشاذة المجهولة

كبار الصحابة ودعاة الخير يوجهوننا إلى الحديث مع الناس بما يفهمون وبمخاطبتهم بما يدركون كما روى البخاري في صحيحه [127] عن علي- رضي الله عنه- قوله: حدًّثُوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذب الله ورسوله، وكذلك ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: ما أنت بمُحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
قال المناوي في فيض القدير [5/427]: لأن العقول لا تحتمل إلا على قدر طاقتها فإن أزيد على العقل فوق ما يحتمل استحال الحال من الصلاح إلى الفساد أ.هـ، أي لا يكون هذا طريقا ومسلكا إلى الصلاح، وقال الغزالي في إحيائه: وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه عقل المستمع، فكيف فيما لا يفهمه قائله؟ فإن كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحل ذكره.
لذا أخي القارئ لا تغتر بالألفاظ المحدثة والكلام الذي ليس له أصل في شرع الله وإن كان مزخرفا فإنه يعد جهلا ومزلة للأقدام، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة [2/160]: ومن الكلام ما يسمى علما وهو جهل مثل كثير من علوم الفلاسفة وأهل الكلام والأحاديث الموضوعة والتقليد الفاسد وأحكام النجوم أ.هــ.
ونسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين التوفيق والسداد في الأقوال والأفعال.

تاريخ النشر: الاثنين 18/9/2006 جريدة الوطن