المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم تكفير المعين .. { للشيخ فرج المرجي }


أبو عبدالرحمن
08-14-2007, 02:51 AM
من مسائل التوحيد حكم تكفير المعيَّن

كتب:فرج المرجي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الله جل وعلا خلق الناس بقدرته وجعلهم مختلفين لحكمته، وذلك لتنوع أفكارهم واختلاف مداركهم، قال تعالى (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) [هود: 118ـ119].
قال ابن كثيرـ رحمه اللهـ في تفسيره [481/2]: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم.أ.هـ
فمن الاختلاف ما يكون في مسائل العلم، والواجب عند ذلك اعتقاد الحق وذلك بإتباع طرقه الصحيحة، قال تعالى (فماذا بعد الحق إلا الضلال) [يونسـ 32]، فالكتاب والسنة الصحيحة هما الحكم، وفهم سلف الأمة مراد للشرع الحكيم فهو سبيل المؤمنين وأولي الأمر، قال تعالى (ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى) [النساءـ 115]، وقال تعالى (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه) [النساءـ 83]، والكل يدعي أنه على فهم صحيح، وللشرع محكماً، ولو كانت بضاعته من العلم مزجاة لا تؤهله لإدراك حقيقة الخلاف ومع ذلك هو معرض عما عليه أهل العلم أو متمسك بما شذ من الأقوال ويغره ما يظهر من الأدلة من غير معرفة الفهم الصحيح لها.
وبهذه المناسبة أحببت نقل كلام لإمام عرفه أهل العلم بالعلم والتأصيل الصحيح والصدق في النصيحة العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعديـ رحمه اللهـ [الفتاوى السعديةـ 599] ليعرف طالب العلم أن كل مخالف عنده أدلته وأن الأدلة إذا تجردت من مجموعها وفهمها الصحيح تغر كثيرا من طلاب العلم فضلا عن العامة، وهي على صفة مناظر، فتنبه لها جيدا تعلم أن الأدلة تشتبه فيقولـ رحمه الله تعالىـ :قال أحد المذكورين قد دل الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أن من دعا غير الله تعالى ملكا أو نبيا أو صالحا أو صنما أو غير ذلك أنه كافر بالله مشرك مخلد في نار جهنم وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة لا يمكن إنكاره، فمتى فعله أحد من الناس فهو مشرك كافر لا فرق بين كونه معاندا أو جاهلا أو متأولا ولهذا جعل الله في كتابه الكفار كلهم لم يفرق بين التابع والمتبوع ولا بين المعاند والجاهل بل أخبر أنهم يقولون (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتفون) وهذا أمر لا يُشك فيه أنه كثيرا منهم يظن أنه على حق كما قال تعالى (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم لا يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم) فلم يمنعهم تكفيرهم اعتقادهم أن ما فعلوه إحسان فهكذا من دعا غير الله أو استغاث بما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر عاند أو لم يعاند عرف الدليل أو لم يعرف وأي فرق بين تكفير جهلة اليهود والنصارى وغيرهم وجهلة من يشرك ولو انتسب إلى دين الإسلام بل أي فرق بين تكفير من ينكر البعث ولو جهلا وبين من يدعو غير الله ويلوذ به ويطلب منه الحوائج التي لا يقدر عليها إلا الله فالكل كفار والرسول بلغ البلاغ المبين ومن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، سواء فهمها أو لم يفهمها.
قال الآخر: ما ذكرت من دلالة الكتاب والسنة والإجماع على أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك وكفر مخلد في النار، فهذا لا شك فيه ولا ريب وما ذكرته من مساواة جهلة اليهود والنصارى وجميع الكفار الذين لا يؤمنون بالرسول ولا يصدقونه بجهلة من يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويعتقد صدق كل ما قاله في كل شيء ويلتزم طاعته ثم يقع منه دعاء لغير الله وشرك به وهو لا يدري ولا يشعر أنه من الشرك بل يحسبه تعظيما لذلك المدعو مأمورا به وما ذكرته من مساواة بين هذا وبين ذاك فإنه خطأ واضح دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على التفريق بين الأمرين، فإنه من المعلوم من الدين بالضرورة كفر جهال اليهود والنصارى وجميع أصناف الكفار وهذا أمر لا يمكن إنكاره وأما من كان مؤمنا بالرسول ومصدقا له في كل ما قاله، وملتزما لدينه ثم وقع منه خطأ في الاعتقاد أو القول والعمل جهلا أو تقليدا أو تأويلا فإن الله يقول (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) عفا عن أمته الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه في المقالة والاعتقاد وإن كان كافرا.
ويقال من اعتقدها أو عمل بها فهو كافر لكن قد يقع ويوجد مانع في بعض الأشخاص يمنع من تكفيره لعدم علمه أنه كفر وشرك فيوجب لنا التوقف في إطلاق الكفر على عينه، وإن كنا لا نشك أن المقالة كفر لوجود ذلك المانع المذكور وعلى هذا عمل الصحابة والتابعين في البدع فإن البدع التي ظهرت في زمانهم كبدعة الخوارج والمعتزلة والقدرية ونحوهم مشتملة على رد النصوص من الكتاب والسنة وتكذيبها وتحريفها وذلك كفر لكن امتنعوا من تكفيرهم بأعيانهم لوجود التأويل فلا فرق بين تكذيب الخوارج لنصوص الشفاعة وتكذيبهم للنصوص الدالة على إسلام وإيمان أهل الكبائر واستحلالهم لدماء الصحابة والمسلمين وتكذيب المعتزلة بالشفاعة لأهل الكبائر ونفي القدر والتعطيل لصفات الله وغير ذلك من مقالاتهم وبين تأويل من أجاز دعاء غير الله والاستغاثة به، وقد صرح شيخ الإسلام في كثير من كتبه كرده على البكري والاخنائي وغيرهما حين ذكر وقوع مثل هذه الأمور من بعض المشايخ المشار إليهم فذكر أنه لا يمكن تكفيرهم لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة، حتى تبين لهم الحجة التي يكفر منكرها وكلامه معروف مشهور فاتضح لنا من ذلك أن من وقعت منه مثل هذه الأمور جهلا وتقليدا أو تأويلا من غير عناد لا يحكم بتكفيره بعينه وإن كانت هذه الأمور الواقعة منه كفرا للمانع المذكور.
فقال الأول: أما قوله تعالى (ربنا إن نسينا أو أخطأنا) ورفع الشارع المؤاخذة عن هذه الأمة بالخطأ، فإنما ذلك في الخطأ في المسائل الفرعية الاجتهادية أما أصول الدين بل أصل الدين على الإطلاق الذي هو التوحيد، فالخطأ فيه والعمد الكل على حد سواء كما ذكرنا في تكفير مقلدة الكفار وأما قولكم إن هذا مصدق للرسول ملتزم لطاعته فهو ممنوع فكيف يصدقه من كان مكذبا له في وجوب توحيد الله ووجوب إفراد الله في الدعاء والاستغاثة وغيرهما من أنواع العبادات؟
وكيف يكون ملتزما لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ممن عصاه في أصل الطاعات وأساس الدين والتوحيد؟ فجعل يدعو غير الله ويستغيث به، ناسيا ربه مقبلا بقلبه على المخلوقين معرضا عن رب العالمين فأين الالتزام وأين التصديق وأما الدعوة المجردة فإنها غير مقبولة حتى يقام عليها الدليل والبرهان وأما تشبيهكم هنا ببدع الخوارج والمعتزلة إلى آخر ما قلتم فما أبعد الفرق بين الأمرين! بين التوحيد الذي هو أصل دين الرسل وأساس دعوتهم وهو الذي جاهد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وكاد القرآن من أوله إلى آخره أن يكون في بيان هذا تأصيلا وتفصيلا وتبيانا وتقريرا وبين البدع التي ضل أهلها وأخطأوا في عقائدهم وأعمالهم مع توحيدهم وإيمانهم بالله ورسوله، فالفرق بين الأمرين فرق واضح والجامع بينهما مخطئ لم يهتد إلى الصواب.
فقال الثاني: إن القول بأن الخطأ المذكور في الآية وغيرها من نصوص الشرع إنما هو الخطأ في الفروع لا في الأصول قول بلا برهان، فلم يفرق الله ورسوله بين مسائل الأصول والفروع في العفو عن هذه الأمة وما ذكرناه من عدم تكفير السلف لأهل البدع حيث كانوا متأولين إلا مسائل أصول الدين، خصوصا من عطل صفات الباري من المعتزلة ونحوهم فإن التوحيد مداره على إثبات صفات الكمال لله تعالى وعبادته وحده لا شريك له فكما امتنعنا من التكفير المعين الذي لم تقم عليه الحجة في القسم الأول إذا أنكر بعض الصفات جهلا وتأويلا وتقليدا فكذلك نمتنع من تكفير من صرف بعض العبادات لبعض المخلوقات جهلا وتأويلا وتقليدا والمانع في هذا كالمانع في هذا، وكلا الأمرين قد أتى به الرسول وبلغه لأمته لكن الضّلال من أمته ضلوا في البابين أو فيهما وسلكوا ما علم بالضرورة من دينه أنه جاء بإنكاره والنهي عنه والتحذير لأمته عن هذا المسلك فمن علم ما جاء به في البابين وعانده وشاقه من بعد ما تبين له الحق فهو كافر حقا ومن كان مؤمنا به ظاهرا وباطنا لكنه ضل في ذلك وجهل الحق فيه فإنا لا نجزم بكفره في هذه الحال مع وجود هذا المانع حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر معاندها وبهذا المعنى امتنعنا نحن وأنتم من إطلاق الكفر على من جرت منه مثل هذه الأمور كالصرصري ونحوه ممن في كلامهم من الاستغاثة بالرسول ودعائه وطلب الحوائج منه لهذه العلة المذكورة وهو وأمثاله ممن يدخل في كلام شيخ الإسلام السابق وأما قولك إن إنكار البعث ممن أنكره لا تتوقفون في تكفيره كما كفره الله ورسوله من غير تفريق بين المعاند وغير المعاند فنحن نقول الباب واحد ولكن حصل التأويل وراج الأمر في مسائل الصفات والتوحيد على كثير ممن هو مصدق للرسول في كل شيء بخلاف مسألة إنكار البعث فإن هذا لا يكاد يوجد ومع ذلك لو فرض وجوده ممن نشأ في بلد بعيد أو حديث عهد بإسلام فإنه يعرف حكمه وبعد ذلك يحكم بكفره فكل من كان مؤمنا بالله ورسوله مصدقا لهما ملتزما طاعتهما وأنكر بعض ما جاء به الرسول جهلا أو عدم علم أن الرسول جاء به فإنه وإن كان ذلك كفرا ومن فعله فهو كافر، إلا أن الجهل بما جاء به الرسول يمنع من تكفير ذلك الشخص المعين من غير فرق بين المسائل الأصولية والفرعية لأن الكفر جحد ما جاء به الرسول أو جحد بعضه مع العلم بذلك وبهذا عرفت الفرق بين المقلدين من الكفار بالرسول وبين المؤمن الجاحد لبعض ما جاء به جهلا وضلالا لا علما وعنادا.أهـ
وقوله الجحد يدخل فيه أنواع الكفر الأخرى ولكن بشرط العلم ما لم يكن مضادا لأصل الإيمان كما سيأتي بيانه مفصلا إن شاء الله.

تاريخ النشر: الاثنين 18/9/2006 جريدة الوطن