المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دين الإسلام ومفاهيم والوسطية { للشيخ عبدالعزيز العتيبي }


أبو عبدالرحمن
08-14-2007, 02:38 AM
دين الإسلام ومفاهيم الوسط والوسطية

وسط الشيء ما بين طرفيه.. والوسط بين الجيد والرديء

كتب:د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
نبدأ بتعريف الوسط لغة بالآتي: وسَطُ الشيء ما بين طرفيه، والوسط بين الجيد والرديء، وجاءت في كتاب الله معان للتوسط والاعتدال، كما في قوله تعالى (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) [الإسراء- 110]، أي طريقا وسطا في القراءة، وهو ما بين الجهر والمخافتة، ولذا قال بعض أهل العلم: أي وسطا، فإن الاقتصاد في جميع الأمور محبوب، وقال تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [النمل- 90]، وقوله (إن الله يأمر بالعدل) بالتوسط في الأمور، وقال تعالى (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) [الفرقان- 67]، (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا) لم يجاوزوا حد الكرم، (ولم يقتروا) ولم يضيقوا تضييق الشحيح، (وكان بين ذلك قواما) وسطا وعدلا، وقال (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) [الإسراء- 29]، نهى سبحانه وتعالى عن البخل وعن التبذير وأمر بالتوسط والاعتدال.

الوسط في الأقوال والأفعال

مطلوب من جنس العاقل ولا يشترط فيه الإسلام

التوسط في الأعمال والأقوال فعل يصدر من الإنسان لا يشترط في فاعله أن يكون مسلما أو كافرا، لذلك الباب مفتوح أمام (الوسطية) بمفهومها الواسع، للتفاعل مع الكل وبمعيار واحد، فيه «وسطية» تسع الديانات، والناس على اختلاف ألوانهم وألسنتهم.
وللوسط معان عدة، منها العدالة والخيرية اللتان أخذتا من قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة- 143]، وقوله (وسطا) أي: خيارا عدولا. فهذه الأمة تشهد على سائر الأمم والعدالة شرط في الشهادة، وأكرمت أمة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الشهادة.
ثم هل الوسط هو الإسلام؟ هل الوسطية ركن من أركان الإسلام؟ وهل الوسطية شرط كمال أو شرط أصل في الدين؟ أين الدليل؟
والجواب لا دليل ولا برهان، هذا كلام الله، وهذه دواوين السنة بين أيدي المسلمين، أثبتوا دعواكم، أو عودوا إلى ألفاظ الشرع، والخير كل الخير فيه، والأخذ بأيدي الناس هو في الوحيين الكتاب والسنة.
الدعوة إلى الوسط و(الوسطية)
دعوة إلى مفاهيم مجهولة
من دعا إلى «الوسطية» نصاً؟ من هم السلف في الاصطلاح؟ وما مصادر التلقي لدعاة الوسطية؟
إن قالوا كتاب الله وسنة رسوله! قلنا: فلماذا لم تسموها بالدعوة إلى الكتاب والسنة بأفهام سلف الأمة، هكذا يُزال الغموض الذي هو لباس هذه الدعوة، وعنوان لهذا الشعار، حتى ذهب بالبعض إلى الاعتقاد بأن هذه (الوسطية) هي دعوة دمج لأهل السنة بالطوائف المنحرفة كي يغرقوا في مستنقع أهل الأهواء والبدع، ويذوبوا في الفرق، وتحركي لإزالة الحواجز التي تحمي أهل السنة من دين الخرافات باسم (الوسطية)، وذهب آخرون إلى أنها دعوة إلى التقريب بين الأديان.
نتساءل ما الوسط أو (الوسطية) بين التوحيد والشرك؟ ما الوسط أو (الوسطية) بين السنة والبدعة؟ أم هي دعوة للقضاء على الألفاظ الشرعية كــ (البدعة)، بمصطلحات جوفاء، وما الوسط بين الإسلام والكفر؟ لا شك أنه لا وسط، إلا إذا كان الوسط أخوة الأديان والتقريب بينها.

الدعوة إلى الكتاب والسنّة

هي دعوة إلى ألفاظ ومعاني شرعية منضبطة

السداد والاستقامة من الألفاظ الشرعية التي بالإمكان دعوة الناس إليها والتمسك بها حتى ننأى بهم عن كل انحراف سواء كان هذا الانحراف دائراً بين الإفراط والتفريط أو الغلو والتقصير.
من الألفاظ الشرعية (الاستقامة)

والاستقامة: أن يكون العبد في دينه على السنة، ليس بالغالي ولا المقصر مستقيما بين الإفراط والتفريط سائرا على قصد السبيل، قال تعالى (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين) [النحل- 9]، والقصد هو الصراط المستقيم (ومنها جائر) الأهواء والبدع، أي: ومن السبل ما هو جائر ومعوج عن الاستقامة، وقال تعالى (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) [الأنعام- 153]، وروى أحمد في مسنده [1/465] والدارمي في سننه [1/78] ما صح من حديث عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما»، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» ثم تلا (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، وقال أبو عبد الله الحاكم: صحيح الإسناد، وهو كما قال، وقال تعالى (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) [الشورى- 52]، ولا شك أن الطوائف التي سلكت السبل المنحرفة، وقعت فيما وقعت فيه من الأهواء والبدع، وابتعدت عن الصراط المستقيم والطريق القويم، فأصابها انحراف من جنس ما أصاب النصارى الذين انحرفوا عن جهل، واليهود الذين انحرفوا عن علم، كما في قوله تعالى (أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) [الفاتحة: 6-7]، فالمؤمن يطلب من الله تعالى أن يهديه إلى الصراط المستقيم الذي هو الطريق القويم بين الملل المختلفة، والطوائف المنحرفة، فلا إفراط ولا تفريط في أعمال القلوب والأبدان، من المعتقدات والعبادات والأخلاق، قال تعالى (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم) [الزخرف- 43]، فإنك لا تزال بخير ما دمت متمسكا بالوحي، فهي الحنيفية السمحة ملة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) [الأنعام- 161]، وروى مسلم في صحيحه [38] من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي- رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: «قل آمنت بالله فاستقم»، والاستقامة ضد الاعوجاج وهي التمسك بأمر الله تعالى والاقتداء بسنة رسول الله عليه وسلم فعلا وتركا.
انظر أخي وتمعن في اللفظ الشرعي كم من البركات حوى، وكم من البشر هدى، فلا تشتغل بغيره.
من الألفاظ الشرعية (السداد)
روى البخاري في صحيحه [39] من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين يُسر، ولن يُشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا ً وَالرَّوحَة، وشيء من الدُلجة» في [كتاب الإيمان- باب الدين يُسر] وقول النبي صلى الله عليه وسلم أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة.
وزاد البخاري في كتاب الرقاق- باب القصد والمداومة على العمل- قوله «والقصد القصد تبلغوا»، قلت: «والقصد» الأخذ بالأمر الأوسط، فلا يجهد نفسه فيكون العجز والانقطاع، بل يعمل بتدرج ليدوم العمل ولا ينقطع.
قال ابن حبان في صحيحه [1/319] : «سددوا» يريد به كونوا مسددين، والتسديد لزوم طريقة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته وقوله : «وقاربوا: يريد به لا تحملوا على الأنفس من التشديد، ما لا يطيقون، «وأبشروا» فإن لكم الجنة إذا لزمتم طريقتي في التسديد وقاربتم في الأعمال.
روى أحمد في مسنده [5/276] والدارمي في سننه [147/1] بإسناد صحيح عن ثوبان- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «استقيموا ولن تحصلوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، قال ابن عبد البر في الاستذكار [1/209] والذي عندي في تأويل هذا الحديث أن قوله «واستقيموا» يعني على الطريقة النهجة، التي نهجت لكم، وسددوا وقاربوا، فإنكم لن تطيقوا الإحاطة في أعمال البر كلها، ولا بد للمخلوقين من ملال وتقصير في الأعمال، فإن قاربتم ورفقتم بأنفسكم كنتم أجدر أن تبلغوا ما يراد منكم.
وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين.

تاريخ النشر: الاثنين 11/9/2006 جريدة الوطن