المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا ينتصر العدو علينا ؟ { للشيخ د. حمد العثمان }


أبو عبدالرحمن
08-14-2007, 02:32 AM
لماذا ينتصر العدو علينا؟!

كتب:د. حمد بن إبراهيم العثمان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فهناك سؤال يتجلجل في صدور كثير من المسلمين «ألسنا على الحق، واليهود على الباطل» فكيف ينتصر اليهود علينا؟!

لا شك أن هذا السؤال لا يصدر من طالب علم عارف بأدلة الشريعة وسنن الله في خلقه ووقائع التاريخ وحوادثه، ولكنه يصدر من أهل العواطف، والعواطف لا شك أنها لا تبني مجداً، ولا تدفع عدواً.

هذا السؤال لا شك أنه دال على طبيعة ما جُبل عليه الإنسان من كراهية الهزيمة ودفعها، وحب الظهور والغلبة على الأعداء، ولنضع الأمور في نصابها الصحيح، وحتى نحسن قراءة واقعنا قراءةً شرعية علمية، مبنية على أدلة الكتاب والسنة.
ولأن النفوس الآن قد هدأت وخفت حدة غلبة العواطف على العقل والنقل، فأعتقد أن الوقت مناسب جداً لطرق هذا الموضوع ومذاكرته، لأنه مع هيجان العواطف يفقد الإنسان كمال الرأي بسبب عدم اعتدال مزاجه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» [متفق عليه]، وقال ابن عقيل الحنبلي- رحمه الله- : «وإذا نفرت النفوس عميت القلوب وانسدت الخواطر، وذهبت الفوائد» [الواضح في أصول الفقه- 1/528].

يقول ابن القيم- رحمه الله- مجيبا على هذا السؤال: «فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى وكان قصده وهمه وعمله لوجهه سبحانه كان الله معه، فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق، والله سبحانه لا غالب له، فمن كان معه فمن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء؟ فإن كان الله مع العبد فمن يخاف؟ وإن لم يكن معه فمن يرجو؟ وبمن يثق؟ ومن ينصره من بعده؟
فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولا، وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له فرجا ومخرجا، وإنما يؤتى العبد من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة، أو في اثنين منها، أو في واحد، فمن كان قيامه في باطل لم ينصر، وإن نُصر نصرا عارضا فلا عاقبة له وهو مذموم مخذول، وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء من الخلق أو التوصل إلى غرض دنيوي كان هو المقصود أولا، والقيام في الحق وسيلة إليه، فهذا لم تُضمن له النصرة، فإن الله إنما ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمن كان قيامه لنفسه ولهواه، فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين، وإن نُصر فبحسب ما معه من الحق، فإن الله لا ينصر إلا الحق، وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر، والصبر منصور أبداً، فإن كان صاحبه محقا كان منصورا له العاقبة، وإن كان مبطلا لم يكن له عاقبة، وإذا قام العبد في الحق لله ولكن قام بنفسه وقوته ولم يقم بالله مستعينا به متوكلا عليه مفوضا إليه بريّا من الحول والقوة إلا به، فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك، ونكتة المسألة أن تجريد التوحيدين في أمر الله لا يقوم على شيء البتة، وصاحبه مؤيد منصور ولو توالت عليه زُمر الأعداء» [إعلام الموقعين: 2/159-160].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: «ومتى اهتمت الولاة بإصلاح دين الناس، صلح للطائفتين دينهم ودنياهم، وإلا اضطربت الأمور عليهم، وملاك ذلك كله صلاح النية للرعية، وإخلاص الدين كله لله، والتوكل عليه، فإن الإخلاص والتوكل جماع صلاح الخاصة والعامة، كما أمرنا أن نقول في صلاتنا (إياك نعبد وإياك نستعين) [الفاتحة- 4]، فإن هاتين الكلمتين قد قيل إنهما يجمعان معاني الكتب المنزلة من السماء، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مرة في بعض مغازيه، فقال : «يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين»، فجعلت الرؤوس تندر عن كواهلها، وقد ذكر سبحانه وتعالى ذلك في غير موضع من كتابه، كقوله سبحانه وتعالى (فاعبده وتوكل عليه) [هود-123]، وقوله سبحانه وتعالى (عليه توكلت وإليه أنيب) [الشورى- 10]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذبح أضحيته يقول : «اللهم منك ولك».

وأعظم عون لولي الأمر خاصة ولغيره علامة ثلاثة أمور:
الأول: الإخلاص لله، والتوكل عليه بالدعاء وغيره، وأصل ذلك المحافظة على الصلوات بالقلب والبدن.
الثاني: الإحسان إلى الخلق بالنفع، والمال الذي هو الزكاة.
الثالث: الصبر على أذى الخلق وغيره من النوائب.
ولهذا يجمع الله بين الصلاة والصبر كثيرا، كقوله سبحانه وتعالى (واستعينوا بالصبر والصلاة) [البقرة- 45]، وكقوله سبحانه وتعالى (وأقم الصلاة طرفي النهار وزُلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) [هود: 114-115]، وقوله سبحانه وتعالى (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) [طه- 130] وكذلك في [ق-39] (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب)، وقال سبحانه وتعالى (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين) [الحجر: 97-98].

وأما قرانه سبحانه وتعالى بين الصلاة والزكاة فكثير جدا. فبالقيام بالصلاة والزكاة والصبر يصلح حال الراعي والرعية [السياسة الشرعية: 184-186].

قتل المعاهد ليس بجهاد

ما يقع في بعض نواحي المسلمين من قتل المعاهدين فهذا ليس بجهاد، وكذلك ما يقع من قتلهم داخل ديارهم ممن وفد اليهم من المسلمين وقد دخل في عهدهم فهذا ليس بجهاد، وصاحبه يخشى عليه من سوء العاقبة، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة».

قال شيخنا الوالد العلامة محمد العثيمين رحمه الله «لا يحل لنا اموال المعاهدين ولا دماء المعاهدين، حتى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة»، نسأل الله العافية.

وبهذا نعرف عدوان وظلم وضلال اولئك المغرورين الذين يعتدون على اموال الكفار المعاهدين، سواء كان الكفار عندك في بلدك وهو معاهد، او انت في بلده، فاننا نسمع من بعض الشباب الذين في بلاد الكفر من يقول: انه لا بأس ان نفسد اموال هؤلاء الكفار، فتجدهم يعتدون على انوار الشوارع، ويعتدون على المتاجر، ويعتدون على السيارات وهذا حرام عليهم - سبحان الله - قوم احتضنوكم وانتم في عهدهم، وليسوا هم في عهدكم وتخونون ، هذا اشد ما يكون تشويها للاسلام وقدحا في الاسلام» شرح الاربعين النووية ص .270

والحمد لله رب العالمين

تاريخ النشر: الاثنين 11/9/2006


جريدة الوطن