المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محاسن الصدع بالحق { للشيخ عبد الرحمن العتيبي }


Musleem
08-13-2007, 11:29 AM
محاسن الصدع بالحق



الحمد لله الذي هدانا للإسلام وجعله ديناً واضحاً سهلاً غير معقد يستطيع العمل به كل من وفقه الله للخير، وهذا الدين مقنع بتعاليمه غير مخالف للعقل، ولقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ودين الإسلام موافق للفطرة السليمة التي تدل صاحبها على ربه، قال صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة فابواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وكل من خلقه الله من الإنس والجن فأصبح مكلفاً فهو مطالب بأن يأخذ بدين الإسلام ويعمل به، فإن انحرف عن تعاليمه الواردة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فلن يقبل الله منه، قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (المائدة: 83)، ومن انتسب إلى الإسلام من المذاهب المنحرفة المخالفة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تلك المذاهب التي جاءت بأمور محدثة لا يقرها الإسلام فإن من انتسب إليها ولم يبحث عن الحق ويرجع إليه ويصحح مُعْتقده فإنه يصبح من أهل الفرق الضالة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أن مصيرها النار كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة»، رواه ابن ماجه وأحمد، ومن هم على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فإنهم يحملون المعتقد السليم والمنهج الصحيح ويتبقى التطبيق العملي بفعل الأوامر واجتناب ما نهى الله عنه وقد يحصل التقصير من البعض وتحدث المعصية، والشاهد من ذكر الأصناف الثلاثة غير المسلم، ومن انتسب إلى الإسلام وفي معتقده من الشرك والانحراف والبدع ما ليس من الإسلام، والمسلم الذي أسرف على نفسه بالمعاصي التي توعد الله عليها بالعقوبة، هذه الأصناف الثلاثة مع التفاوت الكبير بينهم إلا أنهم يحتاجون جميعا إلى من يصدع بالحق ويبينه لهم فعسى أن يسلم الكافر وينعم بهذا الدين وينجو من النار وعسى أن يرجع من ابتعد عن العقيدة الصحيحة ويصبح من أهل الفرقة الناجية ويترك البدع والشركيات وينعم بصفاء الإسلام وينجو من النار ولعل العاصي أن يتوب وتشرق حياته من جديد ويسلم من خزي المعصية ونكرها وينجو من النار، قال تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) (الأنعام: 122).

وهذا المسلم الذي «يصدع بالحق» هو خير من حوله ومع أنهم يعاندونه ويجادلونه ويحاربونه إلا أنهم بعد هدايتهم يرون أن معروفه عليهم لا يقدر بثمن، ومن يصدع بالحق فهو ينشد الخير للبشرية جمعا، ويرجو براءة الذمة وحصول الأجر من الله وحده، قال تعالى: (لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله) (هود:29)، وهو يحذرهم مما تشقى به حياتهم ويؤدي بهم إلى النار، ويرشدهم إلى ما يسعد حياتهم ويدخلهم الجنة.
ماذا يقصد بالصدع بالحق؟

ـ صدع بالحق هو الدعوة إلى الله وإعلان العقيدة الصحيحة أمام الملأ ومناصرة الحق وأهله بالقول والعمل والرد على ما يخالف الإسلام من المعتقدات الفاسدة وبيان بطلان البدع المحدثة وتبصير الناس بأمور دينهم، وأن لا تأخذ الداعية في الله لومة لائم وأن لا يداهن أهل الباطل، قال تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون) (القلم:9)، فإذا سكت طالب العلم الداعية متى يظهر الحق وكيف يميز الخبيث من الطيب، قال الشوكاني رحمه الله في تفسير قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر)، الصدع: الشق وقيل من الصديع وهو الصبح، وقال الزجاج: أظهر ما تؤمر به، وقال الفراء: أراد فاصدع بالأمر أي أظهر دينك، ثم قال (وأعرض عن المشركين) لا تبالً بهم إذا لاموك على إظهار الدعوة (إنا كفيناك المستهتزئين) بقمعهم وتدميرهم، ومن يحاربون الدعاة فالله لهم بالمرصاد.



¼ أمر الله بالصدع بالحق عند القدرة.
ـ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا وعندما كان في مكة جاء الأمر من الله بأن ينذر الخلق، قال تعالى: (يا أيها المدثر قم فأنذر) (المدثر: 1)، وعندما نزل عليه قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) ثم قام ونصحهم وحذرهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عز وجل (وأنذر عشيرتك الأقربين)، قال: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا: يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبدالمطلب لا أغني عنك من الله شيئا ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي لا أغني عنك من الله شيئا»، متفق عليه. فأمره الله بالصدع فامتثل ذلك، قال تعالى (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) (الحجر: 94)، وسعى جاهدا في هداية الناس وبيان فساد عقيدتهم عندما تعلقوا بالأصنام وعبدوها من دون الله حتى أظهر الله الحق، وإن شاء الله فيما بعد نوضح ما يحصل للجميع من فوائد عظيمة نتيجة الصدع بالحق ونبين كيفية الصدع وضوابطه والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 28/5/2007

جريدة الوطن