المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل نعيش أزمة أخلاقية ! { للشيخ عبدالعزيز العزيز العتيبي }


Musleem
08-13-2007, 11:12 AM
هَلْ نَعًيشُ أَزْمَةً أَخْلاقًيَّة ؟!



الْحَمدُ لله وحده، والصلاة والسلام علَى من لا نبًي بعده» أما بعد:


إن من ينظر فًي حال الأمم» وما تعيشه من تعاسة وانتكاسة، فًي كثير مًنْ مَجالاتً الْحياةً، يقطع بأن أسباب هذا التردي والانحطاط، هو بفقد معظم الأخلاق، سواء كان ذلك علَى مستوى الدول والبلدان، أو بين الْمُجتمعات، أو بين الأفرادً» أقارب كانوا أو أجانب.
وقيل شعرا:

إنَّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت
فإنْ همو ذهبتْ أخلاقهم ذَهبوا

فبعث الله لًهذه الْخلائقَ نَموذجا بشرياً، هدى للناس وبشيراً، وإنقاذاً للشعوب والْمُجتمعات والأفراد، قال تعالَى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لَهم من الله فضلا كبيرا) (لقمان: 47ـ45)، وقال تعالَى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء: 107)، وقال تعالَى عن أخلاقه: (وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم: 4).

(وَإًنَّكَ لَعَلَى خُلُقي عَظًيمي)

(1) (بيان الله لًخُلُقًهً): فوصفه سبحانه بالإمامة، والكمال فًي الْخُلُقً، وأنه الْهادي إًلَى كُلًّ خُلُقي ووصفي تكون به الرفعةُ للأمم، والسُمو بالْميجتمعات والأفراد، إلَى مستوى عالي يَجمع الشمائل والخصال الفاضلة، وهذا الوصف والْمدح من الله» هو أَشْملُ وَأَعَمُّ ما امتدح الله به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فًي كتابه العزيز، ولذا كان معروفاً أمره، بإعلان الدعوة إلَى مكارم الأخلاق، فقد روى البُخاريُّ (3861)، وَمُسْلمي(2474) فًي صَحيحيهما مًنْ حديث أَبًي ذَرّي فًي قًصَّةً إًسلامه: (رأيته يأمر بًمكارمً الأخلاق).

(2) (إخباره عن نفسه): وكان يعلن ويفاخر مُخْبًراً عن نفسه، أنه جاء ليتمم مكارم الأخلاق، التًي فُقدت فًي الْمُجتمعاتً، وأصبحت نسيا منسيا فًي أوساط الناس، كما أخرج ذلك أحمد فًي مسنده (2/381)، والبخاري فًي الأدب الْمُفرد(1/104)، والْحاكم في مستدركه (2/670) بسند صحيح مًنْ حديث أَبًي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «إًنَّمَا بُعًثْتُ لأُتَمًّمَ صَالًحَ الأَخْلاقً». وَفًي روايةً الْحاكم: «لأُتَمًّمَ مكارم الأخلاق». فدعا إًلَى الفضائل ومكارم الأخلاق، وتعوذ من منكرات الأخلاق، فًيما رواه الترمذي فًي سننه (3591)، وَالْحاكم فًي مستدركه (1/714) بسند صحيح من طريق زًيَادً بْنً عًلاقَةَ عَنْ عَمًّهً ـ قُطْبَةُ بْنُ مَالًكي ـ رَضًيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ! إًنًّي أَعُوذُ بًكَ مًنْ مُنْكَرَاتً الأَخْلاقً، وَالأَعْمَالً، وَالأَهْوَاءً». (3) (وصف الصحابة لأخلاقه): وكان الصحابة والتابعون يسألون عن أخلاقه ؟ فيأتيهم الْخَبَرُ أَنَّ خُلُقَهُ القرآن، لًما رواه مسلم فًي صحيحه(746) مًنْ حَدًيثً عَائًشَةَ رَضًيَ اللهُ عنها، قيل لَها: يَا أُمَّ الْمُؤْمًنًينَ! أَنْبًئًينًي عَنْ خُلُقً رَسُولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإًنَّ خُلُقَ نَبًيًّ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ» كَانَ الْقُرْآن، وهذا الْمعْنَى رواه أحمد فًي مسنده (4/278): عن سَعْدً بن هًشَامي قال: سَأَلَتُ عَائًشَةَ فقلت: أخبرينًي عن خُلُقً رسول اللَّهً رَسُولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ؟ فقالت: كان خُلُقُهُ الْقُرْآنُ. هكذا كان وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه أخلاق حامل رسالة الإسلام! فأين الْمُسلمون من ذلك الْخُلُقً.


الإًسْلامُ يدعو إلَى التَّحَلًّي بالأَخْلاقً

إن الإسلامَ دينُ العفو، والصفح، والرفق، والْمروءة، والوفاء، والعز والشهامة، إًنَّهُ دين الكرم والإباء، و لقد حَمَلَتْ رًسَالَةُ الإسلام ما يكفل لكل مُجتمعات الأرض أن تَحْيَى حياةً سعيدةً، وجاء هذا الدين بقيم وأخلاق، لَم يعرف التاريخ مثيلا لَها، لقد نادى بًخصال لَم تسمع بًها الدنيا، فأتَى الإسلام بكل الأخلاق الحميدة التًى هي ضرورة» ومطلب حتمي للتعايش الإنسانًي، وعالَج قضايا لَم تُعالَج من قبل بعثةً حامل لواء الدعوةً إلَى الإسلام، وكل الْمَخلوقات فًي هذا الكون بًحاجةي ماسةي إلَى القيم والأخلاق، حتَّى تنعم بًحياة طيبة علَى وجه الأرض، وما من شيءي بَيْنَ السماءً والأرضً، أو يدب على الأرض، حتَّى الطائر الذي يقلب جناحيه فًي السماء، إلا في حاجة إلَى الأخلاق، وما فيها من خصالً الرحمة والرفق وغيره.


الطَّيْر والنَّمْلُ تَنَعمَ بًأَخْلاقً الإًسلامً

الطيور لامست أخلاق النبوةً، والإسلام عالَج مشكلة نَملة بالأخلاق، فانظر إلَى ما رواه أبو داود في سننه (2675، 5286) بسند صحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ فًي سَفَري فَانْطَلَقَ لًحَاجَتًهً، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانً، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمَرَةُ» فَجَعَلَتْ تَفْرًشُ، فَجَاءَ النَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذًهً بًوَلَدًهَا ؟»، رُدُّوا وَلَدَهَا إًلَيْهَا، وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلي قَدْ حَرَّقْنَاهَا، فَقَالَ: «مَنْ حَرَّقَ هَذًهً؟»، قُلْنَا: نَحْنُ، قَالَ: «إًنَّهُ لا يَنْبَغًي أَنْ يُعَذًّبَ بًالنَّارً إًلا رَبُّ النَّارً». هذه هي الأخلاق مع الطير، وهكذا تكون الأخلاق مع هذه النملة، فكيف تكون الأخلاق مع الناس عامة، وما هي الأخلاق التي نعامل بًها المسلمين خاصة.


مُتَابعةُ النَّبًيًّ صلى اللهُ عليه وسلم فًي أَخلاقًهً

متابعة صاحب الْخُلُقً العظيمً هًي الطريق الأوحد، والسبيلُ إلَى التَّحَلًّي بالأخلاق، قال تعالَى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نَهاكم عنه فانتهوا) (الحشر: 7)، وقال تعالَى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لًمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (الأحزاب: 21). قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فًي أقواله، وأفعاله، وأحواله. لقد كان حكيماً في دعوته قال تعالَى: (ادْعُ إًلًى سَبًيلً رَبًّكَ بًالْحًكْمَةً وَالْمَوْعًظَةً الْحَسَنَةً وَجَادًلْهُم بًالَّتًي هًيَ أَحْسَنُ ) (النحل: 125)، ورحيما بأمته كما قال تعالَى: (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولي مًّنْ أَنفُسًكُمْ عَزًيزي عَلَيْهً مَا عَنًتُّمْ حَرًيصي عَلَيْكُمْ بًالْمُؤْمًنًينَ رَؤُوفي رَّحًيمي) (التوبة: 128)، ليناً فًي تعامله مع الْمُؤمنين، ليس بالفظ ولا بالغليظ الذي يُنَفًّرُ الناسَ عن دين الله، قال تعالَى فًي وصف رفقه وتعامله: (فَبًمَا رَحْمَةي مًّنَ اللَّهً لًنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلًيظَ الْقَلْبً لاَنْفَضُّواْ مًنْ حَوْلًكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ) (آل عمران: 159).

أَخْلاقُ القَوالًبً وَالأَحْزابً

إخواني إن الأمر عظيم، وإن الْخطب جسيم، لًما نراه من أنواع السلوك الذي ينسب إلَى الإسلام زوراً وَبُهتانا، والأخلاق الْمذمومة التًي اتخذت دينا، فتهاجر المسلمون وتحاسدوا، وتباغضوا، واختلفت القلوب، وهم في ذلك على صنفين، الصنف الأول: وقع فيه من أجل الدنيا، وهذا حال بعض عوام المسلمين، والصنف الثانَي: نسب تلك الأخلاق الْمذمومة إلَي الدين، وافترى كذباً عندما جعلها خُلُقاً لسيد الْمُرسلين، فاتخذها ديانة، وأسوته فًي ذلك الشيطان، قال تعالَى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) (النور: 21).

إن الكـريْمَ إذا تَمكن من أذى
جاءته أخلاق الكـرام فَأَقْلَعَا
وترى اللَّئيم إذا تَمكن من أذى
يَطْغَى فلا يبقى لصلح مَوْضًعَا

وذهب يخاصم ويهجر كيفما شاء علَى منهج خطه من ذهنه، ووضع نفسه فًي قالب، يريد من عباد الله أن يعيشوا وًفْقَ هَواهُ، ويُحْشروا فًي قالبه الضيق، وحياته التحذير من طلبة العلم، والقدح بأهل العلم عندما يخالف الأمر هواه، ويطالب السُذَّجَ مًمَّنْ يَسْمَعُ لَهُ ويتبع علَى غير هدى من الله، بًهجر حلق العلم ـ علم الكتاب والسنةـ، حتى لا تُسرق الأضواءُ مًنهُ، وقيل فًي الأمثال: (ومن ساءت أخلاقه» طاب فراقه)، فيبقى وحيداً طريداً، وهذا اتباعي للهوى عافانا الله وإياكم من الضلال وسوء الْخصال.



الْخَيْرُ فًي إًسْلامي نَقيّي بًلا قَوالب

قال تعالَى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) (الحجرات:12)، وروى البُخاريُّ (6066)، وَمُسْلمي (2563) فًي صَحيحيهما مًنْ حديثً أَبًي هُرَيْرَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «إًيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإًنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدًيثً، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَافَسُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عًبَادَ اللَّهً إًخْوَانًا». وَفًي رواية فًي الصحيح: «لا تَقَاطَعُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا إًخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّهُ». والتجسس: هو البحث عن عيوب الناس، وقد نَهى الله تعالَى عن البحثً عن الْمستورً من أمور الناس، وتتبع عوراتًهم، حتى لا يظهر على ما ستره الله منها، وقال تعالَى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) (الحجرات: 10)، وهي أخوة الدين لا أخوة النسب والوطن كـ (العائلة أو العشيرة أو القبيلة،) أو أخوة الْمُواطنة كـ (الحي أو القرية أو البلد)، فإن أخوة الدين هي الأخوة الْحقيقيةً، ولذا هًي أعظم وأمكن من أخوة الوطن والنسب، فإن أخوة الوطن والنسب عرضة للانقطاع بًمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بًمخالفة الْمَوطن والنسب. ولنا أيضاً ما رواه البُخاريُّ (6076)، وَمُسْلمي (2559) فًي صَحيحيهما مًنْ حديث أَنَسً بْنً مَالًكي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عًبَادَ اللَّهً إًخْوَانًا، وَلا يَحًلُّ لًمُسْلًمي أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثي». وَفًي رواية لًمسلم: «ولا تقاطعوا». وأختم بدعاءي رواه مسلم فًي صحيحه (771) عند الاستفتاح في الصلاة، عَنْ عَلًيًّ بْنً أَبًي طَالًبي رَضًيَ اللهُ عنه، فًي الحَدًيثً الطَّويل عَنْ رَسُولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، أَنَّهُ كَانَ إًذَا قَامَ إًلَى الصَّلاةً قَالَ: الحديث وفيه «وَاهْدًنًي لأَحْسَنً الأَخْلاقً» لا يَهْدًي لأَحْسَنًهَا إًلا أَنتَ، وَاصْرًفْ عَنًّي سَيًّئَهَا» لا يَصْرًفُ عَنًّي سَيًّئَهَا إًلا أَنْتَ».



د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 28/5/2007

جريدة الوطن