المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الغلو في الصالحين { للشيخ فرج مرجي }


Musleem
08-12-2007, 06:39 AM
مسائل في التوحيد

الغلو في الصالحين


الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله، أما بعد:

الغلو هو مجاوزة الحد مداحاً أو قدحاً، وهو منهي عنه في كلتا صورتيه لقوله صلى الله عليه وسلم «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» (رواه الإمام أحمد وغيره عن جابر رضي الله عنه وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأقوال والأعمال وفيه القاعدة الكلية وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه أ.هـ).


وقال صلى الله عليه وسلم «هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون» (رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه).


وبما أن الغلو مجاوزة الحد الشرعي فهو سبب للهلاك ولذا كان من أعظم ما نهى الشرع المطهر عنه ولذلك قال المقدادـ رضي الله عنهـ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوهم التراب»، وقال صلى الله عليه وسلم لما سمع رجلاً يثني على رجل ويطريه في المًدْحةً «لقد أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» (رواهما مسلم وغيره).


ومن صور الغلو المنهي عنه (الغلو في الصالحين) لا سيما بعد مماتهم وانتقالهم لأنهم أقربهم إلى قبول الناس لهم ولما لهم من مكانة في قلوب العامة، ولخشية وقوع التدرج في تعظيمهم إلى حد العبادة جاءت الأخبار الصادقة عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما وقعت فيه الأمم السابقة حينما وقع فيها هذا التدرج فأخبر عنها خبراً يتضمن التحذير من سننهم وبيان ما آل إليه أمرهم فقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكًتَابً لاَ تَغْلُواْ فًي دًينًكُمْ) (النساءـ 171) وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمةـ رضي الله عنهاـ ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال صلى الله عليه وسلم: «أولئك إذا ما مات فيه الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله»، وفي صحيح البخاري أيضا عن ابن عباسـ رضي الله عنهماـ في قول الله تعالى (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلًهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) (نوحـ 23) قال هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت.


قال العلامة سليمان بن حمدان في الدر النضيد (132): فتبين أن مبدأ الشرك بالصالحين هو الغلو فيهم، وهو أول شرك حدث في الأرض أ.هـ
وقال ابن عباسـ رضي الله عنهماـ: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم ظهر الشرك بسبب تعظيم قبور صالحيهم.


بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحق الناس بالمدح والثناء وهو أكرم الخلق عند ربه، وسيد الصالحين منع من الإطراء والمدح في جنابه سداً منه لذريعة الغلو في الصالحين، فقال كما في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر ـرضي الله عنهماـ (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)، وقال صلى الله عليه وسلم لوفد بني عامر حينما قالوا له أنت سيدنا فقال: (السيد الله تبارك وتعالى)، فقالوا: (وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فقال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان). (رواه أبو داود).


وقال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس رضي الله عنه أن ناسا قالوا: يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا، فقال: (يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل) (رواه النسائي).


قال العلامة عبد الرحمن السعدي ـرحمه الله تعالىـ في القول السديد (88): والناس في معاملة الصالحين ثلاثة أقسام:

ـ1 أهل الجفاء الذين يهضمونهم حقوقهم ولا يقومون بحقهم من الحب والموالاة لهم والتوقير والتبجيل.

ـ2 وأهل الغلو الذين يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله بها.

ـ3 أهل الحق الذين يحبونهم ويوالونهم ويقومون بحقوقهم الحقيقية ولكنهم يبرءون من الغلو فيهم وادعاء عصمتهم أ.هـ


وللكلام عن هذه المسألة بقية، اسأل الله تعالى أن يهدينا فيمن هدى ويرينا الحق حقاً ويرزقنا إتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، والحمد لله رب العالمين.



كتبه فرج المرجي

تاريخ النشر: الاثنين 23/4/2007

جريدة الوطن