المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شر فتنة الغنى { للشيخ عبد الرحمن العتيبي }


Musleem
08-12-2007, 06:28 AM
شر فتنة الغنى



الحكمة البالغة لله سبحانه وبحمده في تدبير شؤون الخلائق فهو الأعلم بما يصلح لكل إنسان من حيث الغنى والفقر وغير ذلك، قال تعالى (وأنه هو أغنى وأقنى) [النجم- 48]، فيعطي لحكمة ويمنع لحكمة، والغنى والفقر فيهما الابتلاء، فهل يشكر الغني وهل يصبر الفقير؟ قال تعالى (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن) [الفجر: 15-16].



نعمة المال

إذا رزق أحد المال فهو نعمة إذا أحسن التصرف فيه، قال صلى الله عليه وسلم "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاًَ فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" [متفق عليه].

فمن رزقه الله مالا واغتنى فهو في نعمة إذا كان سعيه لكسبه من حلال وأنفقه في سبيل الخير والصدقات وعليه شكر هذه النعمة حتى تستمر وتزداد، قال تعالى (ولئن شكرتم لأزيدنكم) [إبراهيم- 7]، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس بكثرة المال ففي صحيح البخاري عن أنس- رضي الله عنه- عن أم سُليم أنها قالت: يا رسول الله أنس خادمك أدع الله له، قال: "اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته".


الغنى غنى النفس

القناعة أحد أسباب العيش الهانئ فعلى الإنسان أن يسعى في طلب الكسب، وعليه في النهاية أن يرضى بما قسم له فقد لا يوفق في الحصول على مكاسب مالية، والمال إذا كان من حل فهو طيب وإن كان قليلا، وأكثر ما يتعب الناس هو البحث عن الزيادة والفضول والكماليات الزائدة عن الحاجة الماسة، وطلب الرزق مأمور به، قال تعالى (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) [الملك- 5]، ومن يملك وينفق فهو على خير، قال صلى الله عليه وسلم "اليد العليا خير من اليد السفلى" [متفق عليه].

واليد العليا هي اليد المنفقة واليد السفلى هي اليد السائلة، ولا يمكن الإنفاق إلا مع وجود المال، ومن رضي بما قسم له أطمأنت نفسه ولم يتحسر على ما يفوته مما هو ليس من نصيبه ولم يستطع إدراكه، ولله الحكمة في تقسيم الأرزاق بين عباده، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" [رواه البخاري ومسلم].

العرض هو المال، فمن لم تقنع نفسه تجده في تطلع إلى المزيد وقد يبخل على نفسه بما في يده لكي لا ينقص أما غنى النفس فهو في راحة من ذلك، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه" [رواه مسلم].

استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من شر فتنة الغنى عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول" اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم ومن شر فتنة الغنى" [رواه البخاري].

فالغنى أحد أسباب انحراف بعض البشر عن عبادة الله، قال تعالى (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) [العلق: 6-7]، والغنى ليس كله مذموم بل ما يحصل بسببه من الشر هو المذموم، فالاستعاذة هنا من الشر الذي يحصل بسببه وقد يحصل منه الخير الكثير، فالأمة بحاجة إلى أموال أغنيائها فمنها يحصل التمويل للجهاد في سبيل الله، وعمل المشاريع الخيرية، وبناء المساجد وإعانة الدعاة على نشر الإسلام.



شر فتنة الغنى

1- التكبر على الناس واحتقارهم والغرور والعجب والتعالي على الخلق ورد الحق وعدم قبوله، غالبا ما يكون السبب في هذه المحرمات هو الغنى.


2- الانغماس في الشهوات المحرمة لأن من يجد المال وهو ضعيف الديانة تدعوه نفسه إلى ارتكاب المحرمات وهو قادر على دفع المال الذي يملكه بما يمكنه منها، نسأل الله العافية والسلامة، والشهوات المحرمة عقوبتها النار والعياذ بالله ومن تمكن من المعاصي وراتكبها بماله أصبح هذا المال نقمة عليه لأنه أدى به إلى المهالك.


3- كثرة المال قد تؤدي إلى الغفلة عن ذكر الله بسبب كثرة الأعمال التجارية والالتزامات والارتباطات مع توافر الملهيات بما ينسيه ذكر ربه وواجباته الدينية.


4- قد يصبح شغل الإنسان وهمه هو المحافظة على هذا الغنى والازدياد منه، فيمتنع عن دفع الزكاة الواجبة ويرابي ويبحث عن الكسب المحرم مما يؤدي إلى تعظيم المال في نفسه ويصبح يوالي ويعادي لأجله وهذا يوصله إلى التعاسة في حياته وبعد مماته، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تَعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش" [رواه البخاري].

فهذا دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم بالهلاك على من صرفه الدينار والدرهم عن عبادة ربه، قوله "وإذا شيك فلا انتقش" أي مما يصيبه من الهوان حتى أن الشوكة إذا أصابته لا يخرجها ويدفع عنه الأذى.


5- بعض الأغنياء لا ينسب الفضل في حصول هذه النعمة وهي الغنى إلى الله بل يكفر هذه النعمة، ويرجع الفضل فيما حصل له إلى نفسه وينسى أن المنعم هو الله ، وهذا ما حصل من قارون، قال تعالى (إًنَّ قَارُونَ كَانَ مًن قَوْمً مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهًمْ وَآتَيْنَاهُ مًنَ الْكُنُوزً مَا إًنَّ مَفَاتًحَهُ لَتَنُوءُ بًالْعُصْبَةً أُولًي الْقُوَّةً إًذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إًنَّ اللَّهَ لَا يُحًبُّ الْفَرًحًينَ وَابْتَغً فًيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخًرَةَ وَلَا تَنسَ نَصًيبَكَ مًنَ الدُّنْيَا وَأَحْسًن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إًلَيْكَ وَلَا تَبْغً الْفَسَادَ فًي الْأَرْضً إًنَّ اللَّهَ لَا يُحًبُّ الْمُفْسًدًينَ قَالَ إًنَّمَا أُوتًيتُهُ عَلَى عًلْمي عًندًي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مًن قَبْلًهً مًنَ القُرُونً مَنْ هُوَ أَشَدُّ مًنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبًهًمُ الْمُجْرًمُونَ) [القصص: 76- 78]، فأخبر الله أنه سبحانه هو الذي رزقه الكنوز وجعله غنيا وعندما جحد فضل الله عليه وأخذ يتبختر ويتعالى على الناس لأجل غناه أصبح هذا الغنى سبباً في خسرانه ووقع في شر فتنة الغنى فأهلكه الله لما حصل منه، قال تعالى (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمًهً فًي زًينَتًهً قَالَ الَّذًينَ يُرًيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مًثْلَ مَا أُوتًيَ قَارُونُ إًنَّهُ لَذُو حَظّي عَظًيمي وَقَالَ الَّذًينَ أُوتُوا الْعًلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهً خَيْري لًّمَنْ آمَنَ وَعَمًلَ صَالًحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إًلَّا الصَّابًرُونَ فَخَسَفْنَا بًهً وَبًدَارًهً الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مًن فًئَةي يَنصُرُونَهُ مًن دُونً اللَّهً وَمَا كَانَ مًنَ المُنتَصًرًينَ وَأَصْبَحَ الَّذًينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بًالْأَمْسً يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرًّزْقَ لًمَن يَشَاءُ مًنْ عًبَادًهً وَيَقْدًرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بًنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلًحُ الْكَافًرُونَ) [القصص: 79- 82].


فهذه قصة من كتاب الله فيها العبرة وأن الغني يجب أن ينسب الفضل إلى ربه ومولاه الذي رزقه ويقوم بما أوجب الله عليه في هذا المال وليحذر من أن يطغيه هذا المال ولنقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة من (شر فتنة الغنى) فإن النبي صلى الله عليه وسلم دلّنا على كل خير وحذرنا من كل شر أعاذنا الله وإياكم من شر الفتن.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 16/4/2007

جريدة الوطن