المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلماء العاملون { للشيخ عبد الرحمن العتيبي }


Musleem
08-12-2007, 06:15 AM
العلماء العاملون



رفع الله مكانة أهل العلم الشرعي وتفضل عليهم بأن يسَّر لهم فهم دينه ومعرفة فضل العلم، وأعانهم على بذل المجهود في سبيل تحصيله ثم بذله للناس، قال تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) [المجادلةـ 11]، وأهل العلم الشرعي المنتفعين بعلمهم هم أهل الخشية لله لمعرفتهم به سبحانه وبحمده، قال تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطرـ 28]، والعالم قدوة في الخير والناس بحاجة إلى من يُقتدى به من الأحياء ممكن يكون في عصرهم حتى يمكن الاستفادة منه ولعلي أذكر شيئا من سيرة عالم من علماء عصرنا ممن التقينا بهم واستفدنا من علمهم ألا وهو العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن بازـ رحمه اللهـ فهذا العالم منذ أن تراه تشعر بتواضعه وحبه للناس والاهتمام منه بكل من يقصده وإجابة سؤاله أو السعي في إدراك حاجته.


حياة الشيخ

ولد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في الرياض شهر ذي الحجة سنة 1330 هجرية، وقد ضَعُف بصرة سنة 1346هجرية ثم كفَّ سنة 1350 هـ، وقد تلقى العلم عن جمع من علماء نجد، ولازم الشيخ محمد بن إبراهيمـ رحمه اللهـ وكان مغرماً بطلب العلم وبذله وهذا ما نلحظه عند أول تعيين وظيفي له عندما عُين قاضياً في الدلم، وهي بلدة تقع جنوب الرياض، فلم يشغله العمل الوظيفي عن العلم بل أنشأ في الدلم حلقة علمية وأخذ طلبة العلم يدرسون عليه شتى أصناف العلوم من فقه وحديث وعقيدة، وجاء تعيينه رئيساً للجامعة الإسلامية في المدينة النبوية وانتقل إلى المدينة، وتعتبر الجامعة الإسلامية في المدينة منارة للعلم يأتي إليها طلبة العلم الشرعي من جميع أنحاء العالم، ولها الفضل في تخريج دفعات كثيرة من طلبة العلم الذين أصبحوا دعاة إلى الخير في بلدانهم، وكان الشيخ عبد العزيز يحج كل عام ويكون له مركز في منى تعقد فيه الندوات والكلمات ويجلس فيه الشيخ للإفتاء، وكان رحمه الله يأذن لجميع من يريد الإقامة بالمخيم بأن يقيم معهم مدة الحج، وعندما يشتكي له بعض المسؤولين عن المخيم أن الناس كثروا عليهم، وهؤلاء الناس يحتاجون إلى من ينقلهم إلى عرفات والإمكانات لا تسمح لهذا العدد فكان يقول: لا تردوا أحداً والله يعين والمدة قليلة فاستعينوا بالله واصبروا، وهذا من حسن خلقه وحبه لنفع المسلمين وهذا الأمر قد عرفه الناس ممن التقوا بالشيخ ورأوا أعمال الشيخ في خدمة الإسلام والمسلمين، وكان رحمه الله يفتح بيته للناس وتجد على مائدته الوزير والغني والفقير والكبير والصغير، وكثيرا ما يوصي جلساءه ومن يلتقي بهم بتقوى الله، وفي تعليقه على الندوات والمؤتمرات التي يحضرها يوصيهم ويقول: (اتقوا الله)، ومن استمع إلى كلماته يجد البساطة وعدم التكلف والتقعر والتشدق في الكلام.



النظام اليومي للشيخ

يقوم قبل الفجر بساعة للتهجد ويصلي إحدى عشرة ركعة، بعد صلاة الفجر يمكث طويلاً لذكر الورد المشروع في الأذكار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

بعدها يبدأ الدرس الصباحي فتقرأ عليه الكتب المتنوعة ثم يذهب للراحة قليلاً ثم الساعة الثامنة يصلي الضحى ويذهب إلى المكتب ويستمر في الدوام حتى الساعة الثانية والنصف ثم يعود إلى البيت وبعد الوصول إلى البيت يكون مُستقبلا ما بين صاحب حاجة ومستفتى، ويدعو إلى الغداء ويتغدى معهم ثم يصلي العصر ويقرأ الإمام رياض الصالحين أو كتاب التوحيد ويعلق الشيخ عليه، أو كتاب الوابل الصيب ثم يرجع إلى منزله للراحة، يصلي المغرب ثم يجلس جلسته العادية للناس وبعد العشاء إذا لم يكن عنده موعد أو محاضرة أو اجتماع أو يراجع بعض الكتب ثم يتناول العشاء مع ضيوفه وموظفي مكتب المنزل ثم يجلس مع ضيوفه أو مراجعة بعض المعاملات أو قراءة بعض الكتب إلى الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة ثم يعود إلى المنزل ويمشي مدة نصف ساعة على قدميه ثم يأوي إلى فراشه، وهكذا يقضي يومه في عمل وهمة ونشاط وأنس يسري منه إلى من حوله.

هذا الترتيب اليومي أخذته من كتاب جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله، رواية الشيخ محمد بن موسى الموسى مدير مكتب سماحة الشيخ، والكتاب من إعداد محمد بن إبراهيم الحمد، وقد ذكر أن الشيخ محمد الموسى لازم الشيخ ملازمة تامة ستة عشر عاما، وهو مدير مكتب البيت.




دروسه وفتاواه

كان للشيخ دروس يومية تُقرأ عليه فيها الكتب العلمية ويعلق عليها وله تعليقات على فتح الباري مطبوع ولم يكمل التعليق على الفتح وله مؤلفات في العقيدة والفقه.
وطبعت فتاواه في عشرين مجلداً فيها معظم محاضراته وإجابته عن الأسئلة الواردة إليه، وعندما تقرأ في فتاواه تلمح الذكاء وحسن الإجابة بحسب المقام وتلمس أنه عالم أمته، فهو يفتي بما فيه تيسير دون تحلل من الشرع أو تلاعب به ولا يكون فيه تشديد وتضييق على الناس بما لا يستطيعه البعض وتجد فتواه مدعمة بالأدلة الشرعية.
من المسائل التي تبين أن المفتي يجيب المستفتي بحسب حاله، حادثة رجل قال لامرأته أحضري قهوة وتمراً فأحضرت القهوة ولم تحضر التمر، فطلقها ثلاث طلقات فأفتاه بوقوع الطلاق، وقال دعوى الغضب غير صحيحة لأن هذا الأمر لا يغضب والمسألة ليست لعباً، مع العلم أن المشهور عن الشيخ أو لو وقع الثلاث واحدة فأفتى هنا بخلافه.
وفاة الشيخ رحمه الله
مرض الشيخ واشتد عليه المرض في شوال سنة 1419هـ وأدخل المستشفى وكان يعاوده المرض وعندما يخرج من المستشفى يعاود نشاطه ودروسه، وفي سنة 1420هـ اتجه إلى الطائف لأن عمله الصيفي ينتقل إلى هناك وكان يواصل إقامة الدروس مع استمرار المرض بل إن آخر دروسه كان قبل وفاته بأيام، وفي فجر الخميس 27/1/1420هـ توفي العلامة عبد العزيز بن بازـ رحمه اللهـ عن عمر يناهز الثامنة والثمانين وصلي عليه يوم الجمعة في المسجد الحرام ودفن في مقبرة العدل بمكة، وفي خطبة الجمعة تكلم الخطيب في المسجد الحرام عن فضل العلم والعلماء وذكر مآثر الفقيد ودعا له.
وهذه النبذة ذكرنا فيها جانباً من حياة أحد العلماء العاملين الذين قضوا حياتهم في طلب العلم وتعليمه والسعي في نفع المسلمين، وهم من ينبغي أن يُقتدى بهم في طلب العلم وبذله وهذا الطريق هو الموصل إلى الجنة، قال صلى الله عليه وسلم:"من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة" [رواه مسلم].



نسأل الله التوفيق للجميع إلى العلم النافع والعمل به.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 9/4/2007

جريدة الوطن