المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسائل في التوحيد 6 { للشيخ فرج المرجي }


أبو عبدالرحمن
08-12-2007, 03:20 AM
مسائل في التوحيد
كتب:فرج المرجي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
في المقال الماضي كان الكلام على السحر من حيث تعريفه لغة واصطلاحا ومناسبة ذكره في مسائل التوحيد وبيان أدلة تحريمه، وأقوال الصحابة فيمن مارسه حتى قال شيخ الإسلام ابن تيميةـ رحمه الله تعالىـ (35/171): والسحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع. أ.هـ.
وقال الله تعالى (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق) أي نصيب.
ونتكلم في هذا العدد عن علاج السحر كيف يكون كما وعدناكم وهو ما يُسمى عند أهل العلم بالنُشرة، بضم النون، ضرب من الرقية والعلاج ومنه قولهم نشره بقل أعوذ برب الناس، أي: رقاه، وقال أبو سليمان الخطابي (معالم السننـ 4/220): النشرة ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من كان يظن به مس من الجن، وقيل سميت نشرةً لأنه ينشر بها عنه أي يحل عنه بها ما خامره من الداء، أ.هـ.
وعلاج السحر أي حله يكون بإحدى ثلاث طرق، الأولى: أن يحل عنه بسحر مثله فهذا حرام في أصح قولي العلماء، لحديث جابرـ رضي الله عنهـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن النُشرة فقال: «هي من عمل الشيطان» (رواه الإمام أحمد بسند جيد)، وقال الحسن البصريـ رحمه اللهـ لا يحل السحر إلا ساحر.
قال الحافظ ابن حجرـ رحمه اللهـ في تغليق التعليق (5/49) إسناده صحيح والله يقول (ولا يفلح الساحر حيث أتى)، وسُئل الإمام أحمد عنها، أي النشرة، فقال: كان ابن مسعودـ رضي الله عنهـ يكره هذا كله، ذكره ابن مفلح في الآداب (3/73)، والكراهة عند الصحابةـ رضي الله عنهمـ وعند الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم تحمل على التحريم كما في قوله تعالى في سورة الإسراء بعد ذكر الشرك وشيء من المحرمات مثل الزنا وقتل النفس المحرمة وأكل مال اليتيم (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها)، وقوله صلى الله عليه وسلم (ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) (رواه مسلم).
وكذلك يدل على تحريم حل السحر بسحر مثله أمور ثلاثة، الأول: أن الله تعالى لم يجعل دواء أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيما حرم عليها كما صح عنه صلى الله عليه وسلم، والثاني: ولما فيه من التعليق بهؤلاء السحرة الفجرة الذين أفسدوا دينهم فسعوا في الأرض والعباد فسادا، والله تعالى يقول (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) وقال تعالى (يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا)، الثالث: ولما في ذلك من الترويج لعمل السحرة المحرم وقد سألت فضيلة الشيخ العلامة شيخنا محمد صالح العثيمينـ رحمه الله تعالىـ قبل وفاته عن حل السحر بالسحر فقال لي: هذا حرام ولا يجوز فقلت له: من الناس من يقول انك تجيزه،فقال: من قال ذلك عني فقد كذب علي ولا يمكن القول به لانه ترويج لعملهم (هذا يسحر وهذا يحل) أ.هـ.
ومن قال انه يجوز للضرورة فنقول إن الضرورة تقدر بقدرها كما هو مقرر عند العلماء ولا يمكن إعطاء حكم عام بسبب الضرورة على عمل هو في الأصل محرم إلا عند وجودها وتقديرها وإلا لما صح القول بتحريم الخنزير والدم والميتة والخمر وغيرها لأن الكل جائز عند الضرورة وهناك أمر وهو هل التطبب والتداوي واجب حتى يكون فيه ضرورة؟
وفي هذا خلاف بين أهل العلم واختار شيح الإسلام ابن تيميةـ رحمه الله تعالىـ عدم الوجوب لحديث المرأة التي كانت تصرع فصبرت! وهنا أمر آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الكاهن وهو أهون عملا من الساحر «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» (رواه أبو داود).
والكاهن هو العراف وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما»، فما بالك بالساحر الذي هو أشد ضررا وأظهر كفرا.
الثاني: من طرق حل السحر حله بالأدوية الشرعية مثل الرقى والتعاويذ والتصبح بسبع تمرات على الريق من تمر العجوة (أي عجوة المدينة)، قال ابن القيمـ رحمه الله تعالىـ في زاد المعاد (4/126) «ومن أنفع علاجات السحر الأدوية الإلهية بل هي أدويته النافعة بالذات فإنه من تأثيرات الأرواح الخبيثة السفلية ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها وكلما كانت أقوى وأشد كانت أبلغ في النُشرة... فالقلب إذا كان ممتلئا من الله مغمورا بذكره وله من التوجهات والدعوات والأذكار والتعوذات وردي لا يخل به يطابق فيه قلبه لسانه كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ومن أعظم العلاجات له بعد ما يصيبه.أ هـ.
ولابن القيم كلام مفيد في هذا الموضع فارجع له غير مأمور في نفس العدد السابق،وعند النسائي بسند صحيح عن عقبة بن عامرـ رضي الله عنهـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ألا أخبركم بأفضل ما تعوذ به المتعوذون قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ولن يتعوذ الخلائق بمثلهما» وفي الصحيحين عن سعدـ رضي الله عنهـ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر»، وذكر ابن بطالـ رحمه اللهـ أن في كتب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقهن بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل ثم يحسو منه ثلاث حسوات ثم يغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله، والقواقل هي سورة الكافرون والإخلاص والفلق والناس.
الثالث: ما لا يعلم هل هو بالمباح أو بالمحرم؟
قال العلامة الشيخ محمد صالح العثيمين: وعليه حملوا كلام ابن المسيبـ رحمه اللهـ في النشرة فقالوا ما دام أنه نافع ونحن في شك من دخوله في الحرام فإنه يرتفع عنه الشك ويحكم بإباحته لأن القاعدة الشرعية أن ما لم يكن الأمر فيه واضحا فإن الحاجة تبيحه وأثر ابن المسيب أخرجه البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم ولفظه عن قتادة لابن المسيب رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيُحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح فأما ما ينفع فلم يُنه عنه.أ هـ.
أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يرزقنا العافية في ديننا ودنيانا وأبداننا إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين.




تاريخ النشر: الاثنين 21/8/2006

جريدةالوطن