المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاستعاذة من الشرك (2) { للشيخ عبد الرحمن العتيبي }


Musleem
08-11-2007, 07:29 AM
الاستعاذة من الشرك (2)



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقد تكلمنا في العدد السابق عن تعريف الشرك وأنواعه، ونكمل حديثنا عن الشرك فنقول:


متى حدث الشرك عند العرب؟

كان العرب على ملة إبراهيم عليه السلام على الحنيفية السمحة عبادة الله وحده لا شريك له، وأول من أدخل عليهم الشرك رجل اسمه عمرو بن لحي الخزاعي فإنه سافر إلى الشام ووجدهم يعبدون الأصنام وجلب هذه العبادة إلى العرب وقال عنه صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار» ثم انتشر فيهم الشرك حتى أنقذهم الله ببعثه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى عبادة الله وترك الشرك.
الرياء من الشرك
الرياء مشتق من الرؤية، فالمرائي يطلب بعمله رؤية الناس له حتى يحصل على الثناء منهم وتكون له المكانة عندهم والرياء أقسام:


-1 ما كان أصل الباعث على العمل هو الرياء وهنا يكون العلم باطلا غير مقبول، قال تعالى (من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) [الكهف- 111]، وفي الحديث القدسي أن الله يقول (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه)، فهذه الأدلة تدل على أن الرياء شرك وأن الله لا يقبل العمل الذي كان الدافع إليه الرياء وإن كان العمل مطلوبا شرعا، فالذي أفسده هو الرياء فأصبح من قام بهذا العمل مأزور غير مأجور.

-2 إذا كان الرياء طارئا على العمل، بأن يكون الباعث على العمل في البداية به هو عبادة الله وطلب ثوابه ثم خلال هذه العبادة دخل عليه الرياء فحدثته نفسه بتحسين العمل لأجل من حضر عنده وأصبح يراه وهو يقوم بهذه العبادة، ففي هذه الحالة إن استسلم للرياء وانساق معه فقد أخلَّ بالعبادة ونقص أجرها إن لم يذهب الأجر كله نسأل الله السلامة، وإن لم يستسلم للرياء بل جاهده واستعاذ بالله منه واستمر في أداء العبادة كما كان يؤديها في حالته قبل أن يروه الناس واستمر على عادته التي اعتادها على الوجه الذي يرضي الله فهو مأجور على هذه المجاهدة وعبادته صحيحة يرجى قبولها عند الله، وهنا لا بد أن نشير إلى أن الشيطان يلبس على بعض الناس حتى يحرمهم العبادة، فيوسوس لهم بأنهم يراءون في أعمالهم وأنهم لكي يبتعدوا عن الرياء فعليهم أن يتركوا العبادة التي يراها الناس، كصلاة النافلة أو صوم التطوع أو الإنفاق في سبيل الله ومن يترك هذه الأعمال خشية الرياء فهو مخطئ وقد ظفر الشيطان بمنعه من العبادة وتسبب في حرمانه الأجر، وعلى من يعمل الطاعات ويرغب في الأجر أن يراقب ربه ويحتسب الأجر عنده ويعمل العبادة سراً وجهراً فإذا استوى عنده العمل سراً وجهراً فقد حقق العبودية لله، ومن ترك العبادة لأجل رؤية الناس له فقد أخطأ، ومن عمل العبادة وحسنها لأجل رؤية الناس فهو مرائي، وهذا أمر دقيق يحتاج إلى مجاهدة للنفس والشيطان حتى تصبح أعمالنا كلها خالصة لوجه الله وحده لا شريك له، ولنستعن بالله في القيام بعبادته على الوجه الصحيح ولنتذكر الاستعاذة (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم)، عصمنا الله وإياكم من الزلل ورزقنا قبول القول والعمل.

الشرك في هذا الزمن
الشرك لم ينته بتحطيم الأصنام التي كانت في مكة، فالشرك له صور كثيرة فهناك شرك المحبة، قال تعالى (ومن يتخذ من دون الله أندادا ويحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) [البقرة- 165]، فهي قدم محبة أي شيء على محبة الله فهو شرك ومحبة الله تستلزم تعظيمه وطاعته وعبادته. قال تعالى (أرأيت من أتخذ إلهه هواه) [الفرقان- 43]، فالعبادة عنده هي ما استحسنها عقله وهوته نفسه وبذلك يفقد العبودية لله والاستسلام لأمره في المنشط والمكره.

فائدة معرفة الشرك والاستعاذة منه
كان الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان كثيرا ما يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشر، ويقول رضي الله عنه كانوا يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر، وفائدة السؤال عن الشر حتى لا يقع فيه، فإذا لم يكن الشرك موجود عند فئة من الناس وقد تطهر مجتمعهم من ذلك، لا يعني أنهم يهملون تعلمه وتعليمه، فإن التعلم لهؤلاء هو عبارة عن حصانة مسبقة لهم لأن من عرف الشرك واستعاذ منه، حريّ به ألا يقع فيه، وإن جاء من يريد أن يلبس عليه دينه فهو على استعداد للرد عليه ودحض شبهه، قال تعالى (قل هو يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) فمعرفة الشرك والحذر منه مطلوب في كل زمان ومكان، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في كتابه فتح المجيد فلا يأمن من الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به، وبما يخلصه منه، من العلم بالله وبما بعث به رسوله من توحيده والنهي عن الشرك.
ما يترتب على الشرك

-1 يخرج من ملة الإسلام فمن أشرك بالله الشرك الأكبر فقد خرج من الإسلام وبعد ذلك يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا ولا يرث من المسلم ولا يورث وإن كان متزوجا من مسلمة يفرق بينه وبينها، قال تعالى (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) [الممتحنة- 10]، وإن مات فلا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يترحم عليه ولا يدعى له.

-2 الشرك يحبط العمل، قال تعالى (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) [الزمر- 65]، فمع وجوب الشرك لا ينفع العبد صلاة ولا صوم ولا أي عبادة يقوم بها لأن وقوعه في الشرك يحبط أجر تلك العبادات.

-3 الشرك يخلد صاحبه في نار جهنم، من يقع في الشرك الأكبر فمصيره الخلود في النار والعياذ بالله، قال تعالى (إن من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) [المائدة- 72]، وهذا يدعو إلى الحذر من الشرك لأن العقوبة مؤلمة وأبدية، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار» [رواه مسلم].


دعوة الأنبياء التحذير من الشرك
الأنبياء عليهم السلام كلفهم الله بدعوة الخلق إلى ربهم فكان همهم نشر التوحيد والتحذير من الشرك، النبي محمد صلى الله عليه وسلم حذر قريش من الإشراك بالله وعبادة غيره، قال تعالى (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا) [الأنعام- 151]، وفي جميع مراحل الدعوة بين الشرك وحذر منه، وإبراهيم عليه السلام حذر قومه من الشرك، قال تعالى (وَإًذْ قَالَ إًبْرَاهًيمُ لأَبًيهً آزَرَ أَتَتَّخًذُ أَصْنَاماً آلًهَةً إًنًّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فًي ضَلاَلي مُّبًيني) [الأنعام- 74]، وهكذا سيرته مع قومه وجاهدهم لأجل صدهم عن الشرك وخوفهم من عاقبة ذلك، قال تعالى (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون) [الأنعام- 81]، ويوسف عليه السلام يضيق عليه ويسجن ولا يمنعه ذلك من الدعوة في السجن والتحذير من الشرك، قال تعالى (وأتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء).

وأخذ يوسف يبين لهم بالأدلة العقلية بطلان الشرك، قال تعالى (يَا صَاحًبَيً السًّجْنً أَأَرْبَابي مُّتَفَرًّقُونَ خَيْري أَمً اللّهُ الْوَاحًدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مًن دُونًهً إًلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بًهَا مًن سُلْطَاني إًنً الْحُكْمُ إًلاَّ لًلّهً أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إًلاَّ إًيَّاهُ ذَلًكَ الدًّينُ الْقَيًّمُ وَلَـكًنَّ أَكْثَرَ النَّاسً لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف: 39-40]، وجميع الأنبياء عليهم السلام كانوا يحذرون من الشرك ويحذرون أقوامهم منه، قال تعالى (وَمًنْ آبَائًهًمْ وَذُرًّيَّاتًهًمْ وَإًخْوَانًهًمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إًلَى صًرَاطي مُّسْتَقًيمي ذَلًكَ هُدَى اللّهً يَهْدًي بًهً مَن يَشَاءُ مًنْ عًبَادًهً وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبًطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 87-88]، وكل من يدعو إلى الحق مطالب بأن ينهج نهج الأنبياء في توضيح الشرك للناس وتصفية عقائدهم مما يشوبها ولا يلتفت إلى المخذولين الذين يهتمون بترتيب أمور دنيا الناس أكثر من اهتمامهم بأمور دينهم، رزقنا الله العلم النافع وأعاذنا وإياكم من جميع أنواع الشرك.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 26/3/2007

جريدة الوطن