المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإكمال بتقريب شرح نواقض الإسلام (6) {للشيخ عبدالعزيز الريس}


Musleem
08-11-2007, 07:24 AM
الإكمال بتقريب شرح نواقض الإسلام (6)


هناك فرق بين الكره الطبيعي والكره المخرج من الملة



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:


فما زلنا مع شرح نواقض الإسلام التي ذكرها شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله تعالى- ووقفنا على الناقض الخامس وهو قول المصنف:

(الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولو عمل به كفر) في بعض النسخ (إجماعاً) والدليل قولـه تعالى: (ذَلًكَ بًأَنَّهُمْ كَرًهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن أن من شروط لا إله إلا الله المحبة المنافية لضدها(1).

ومما يدل على أن هذا الناقض كفر قولـه تعالى: (بَلْ جَاءَهُمْ بًالحَقًّ وَأَكْثَرُهُمْ لًلْحَقًّ كَارًهُونَ)، وبغض بعض ما جاءت به الشريعة من صفات المنافقين ، قال تعالى: (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إًلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفًقُونَ إًلاَّ وَهُمْ كَارًهُونَ).

وهناك فرق بين الكره الطبيعي، والكره المخرج من الملة، أما الأول فمن علامته أن هذا الكره موجود، سواء علم أن الشريعة جاءت به أم لا، وذلك يعود إما إلى المشقة، أو غير ذلك من الطبع المجرد.

أما الثاني من علامته أن لا تكون إلا بعد العلم بأن الله أمر به فهو يعود إلى كون الله أمر به ، قال الإمام البغوي عند قولـه تعالى: + كُتًبَ عَلَيْكُمُ الْقًتَالُ وَهُوَ كُرْهي لَكُمْ ": وهو كره لكم أي شاق عليكم ، قال بعض أهل المعاني: هذا الكره من حيث النفور والطبع عنه » لما فيه من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح لا أنهم كرهوا أمر الله ا.هـ(2).
وقال القرطبي: إنما كان الجهاد كرهاً لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل ، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس ، فكانت كراهيتهم لذلك ، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى ا.هـ(3).


ومن الكره الطبعي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إسباغ الوضوء على المكاره». رواه مسلم.

قول المصنف (السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو ثواب الله ، أو عقابه كفر ، والدليل قولـه تعالى: (قُلْ أَباللَّهً وَآيَاتًهً وَرَسُولًهً كُنْتُمْ تَسْتَهْزًئُونَ لا تَعْتَذًرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إًيمَانًكُمْ)).

المستهزئ بالله وبرسوله أو بشيء من الدين كافر بدلالة الكتاب والسنة والإجماع ، والساب من باب أولى.

ومن الأدلة ما ذكر ابن تيمية في قولـه تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافًقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهًمْ سُورَةي تُنَبًّئُهُمْ بًمَا فًي قُلُوبهًمْ قُلً اسْتَهْزًئُوا إًنَّ اللَّهَ مُخْرًجي مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئًنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إًنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَباللَّهً وَآيَاتًهً وَرَسُولًهً كُنْتُمْ تَسْتَهْزًئُونَ * لا تَعْتَذًرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إًيمَانًكُمْ إًنْ نعْفُ عَنْ طَائًفَةي مًنْكُمْ نُعَذًّبْ طَائًفَةً بًأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرًمًينَ) وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر ، فالسب المقصود بطريق أولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله - جاداً أو هازلاً فقد كفر ا.هـ(4).


قال ابن تيمية: وقال الإمام إسحاق بن راهويه أحد الأئمة الأعلام: أجمع المسلمون على أن من سب الله ، أو سب رسوله - أو دفع شيئاً مما أنزل الله عز وجل ، أو قتل نبياً من أنبياء الله عز وجل ، أنه كافر بذلك وإن كان مقراً بكل ما أنزل الله...
ثم قال: وتحرير القول فيها: إن الساب إن كان مسلماً فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف ، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم ، وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك من الأئمة مثل إسحاق بن راهويه وغيره ، وإن كان ذمياً فإنه يقتل أيضاً في مذهب مالك وأهل المدينة ، وسيأتي حكاية ألفاظهم ، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث وقد نص أحمد على ذلك في مواضع متعددة ا.هـ(5).


وقال أيضاً: وذلك أن نقول: إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً ، وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم ، أو كان مستحلاً له أو كان ذاهلاً عن اعتقاده ، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل. وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، المعروف بابن راهويه ـ وهو أحد الأئمة يعدل بالشافعي وأحمد ـ: قد أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسول الله عليه الصلاة والسلام أو دفع شيئاً مما أنزل الله أو قتل نبياً من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقراً بكل ما أنزل الله. اهـ(6).


فعلى هذا السب والاستهزاء قولان كفريان في ذاتهما يضادان الإيمان من كل وجه حتى ولو كان الساب مازحاً غير جاد ، فهو قول لا يحتمل إلا الكفر. » لذا الذين استهزءوا في قوله تعالى: (قُلْ أَباللَّهً وَآيَاتًهً وَرَسُولًهً كُنْتُمْ تَسْتَهْزًئُونَ * لا تَعْتَذًرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إًيمَانًكم) اعتذروا بأنهم كانوا يخوضون ويلعبون ولم يكذبهم الله ، فدل على صدقهم ، ومع ذلك كفرهم. أفاده ابن تيمية في الصارم.

¼ فائدة: كان المسلمون إذا حاصروا عدوهم من الكفار فامتنع الكفار حتى قارب اليأس يدب بالمسلمين ، فسب الكفارُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فإنه يفتح على المسلمين. قال ابن تيمية: ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية ، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا ، قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا نكاد نيأس منه حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة في عرضه ، تعجلنا فتحه وتيسر ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك ، ثم يفتح المكان عنوة ، ويكون فيهم ملحمة عظيمة ، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوه فيه. وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك ، ومن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده ، وتارة بأيدي عباده المؤمنين ا.هـ(7).

¼ تنبيه: من قال كلاماً أو فعل فعلاً ، ولم يعلم أن مؤداه السب والاستهزاء فلا يكفر كأن يحفظ الأعجمي كلمات يرددها مدلولها الاستهزاء بشيء من الشرع. قال ابن تيمية: والفعل إذا آذى النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يعلم صاحبه أنه يؤذيه ، ولم يقصد صاحبه أذاه فإنه ينهى عنه ويكون معصية ، كرفع الصوت فوق صوته ، فأما إذا قصد أذاه أو كان مما يؤذيه وصاحبه يعلم أنه يؤذيه ، وأقدم عليه مع استحضار هذا العلم ، فهذا الذي يوجب الكفر وحبوط العمل ا.هـ(8).

وقال ابن القيم: والكلام إذا لم يرد به قائله معناه ، إما لعدم قصده له ، أو لعدم علمه به ، أو أنه أراد به غير معناه: لم يلزمه ما لم يرد به كلامه. هذا دين الله الذي أرسل به رسله ا.هـ(9).

أخي القارئ، أختي القارئة، تابعونا في المقال القادم إن شاء الله تعالى والحمد لله وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


(1) الدرر السنية (2 /360).
(2) معالم التنزيل (1 /246).
(3) التفسير (3 /39).
(4) الصارم المسلول (2 /70). وبهذه الآية استدل القاضي عياض في الشفا ص947.
(5) الصارم المسلول (2 /15).
(6) الصارم (3 /955).
(7) الصارم المسلول (2 /233). ونحوه في الجواب الصحيح (6 /296).
(8) الصارم المسلول (2 / 120).
(9) أعلام الموقعين (4 / 403).


عبد العزيز بن ريس الريس

تاريخ النشر: الاثنين 19/3/2007

جريدة الوطن