المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأشاعرة ليسوا من أهل السنة والجماعة (3) {للشيخ فلاح مندكار}


Musleem
08-11-2007, 07:22 AM
الأشاعرة ليسوا من أهل السنة والجماعة (3)


الشاهد أن الأشاعرة يزعمون أن القرآن كلام الله وأن كلامه معنى قائم بنفسه



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فلقد وعدناكم في المقال السابق أن نتكلم عن مسألة خلق القرآن عند الأشاعرة ومخالفتهم لأهل السنة والجماعة في هذه المسألة المهمة العظيمة، فأقول:
وأما مسألة القول في القرآن وكلام الله، فهي من المسائل المتفرعة عن مناهجهم وطريقتهم الفلسفية الكلامية التلفيقية، وأذكرها هنا توضيحا لاضطرابهم ومخالفتهم وتلفيقهم في مسائل الاعتقاد، وبيان أنهم والمعتزلة على أصل واحد بل يزيدون عليهم في التلبيس والتدليس والتلفيق.

فتدبر هذه المسألة وتجرد من المتابعة والموافقة إلا لله ولرسوله ثم للصحابة، لتدرك بُعد الأشاعرة عن الحق والسنة والجماعة، وقربهم من المعتزلة والجهمية والمعطلة.

يقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت: 478) في كتابه [الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص- 130]:«فصل: معنى إنزال كلام الله تعالى» «... فالمعنيّ بالإنزال، أن جبريل صلوات الله عليه أدرك كلام الله تعالى وهو في مقامه فوق سبع سماوات، ثم نزل إلى الأرض، فأفهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما فهمه عند سدرة المنتهى من غير نقل لذات الكلام».

ويقول [ص- 108] «الكلام هو القول القائم بالنفس...، الذي تدل عليه العبارات وما يصطلح عليه من الإشارات».

ويقول [ص- 109] «وهو الفكر الذي يدور في الخلد وتدل عليه العبارات تارة وما يصطلح عليه من الإشارات ونحوها أخرى، والدليل على إثبات الكلام القائم بالنفس، أن العاقل إذا أمر عبده بأمر، وجد في نفسه اقتضاء الطاعة منه وجدانا ضروريا».

ثم استدل بقول الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما
جُعل اللسان على الفؤاد دليلا

تدبر يا أخي وأمعن النظر في كلامه وتقريراته، فجبريل لم يسمع لأن الله لم يتكلم، ولأن كلامه هو ما قام في نفسه من المعاني، وهو الفكر الذي يدور في الخلد قبل التلفظ به.
ثم تدبر قوله: إن دليله على كلام الله النفسي: أن العاقل إذا أمر عبده!!! يا سبحان الله وأذكر هنا كلمة شيخنا حماد بن محمد الأنصاري- رحمه الله- وشيخنا عبد المحسن بن حمد العباد، وشيخنا عبد الله بن محمد الغنيمان- حفظهما الله ونفع بعلمهما- بأن الأصل في أهل التجهم والتعطيل والتأويل أنهم ينظرون إلى النصوص الشرعية في صفات الله بما يعرفونه ويشاهدونه في المخلوق والمحسوس، وهذا أبو المعالي يستدل على صفة من صفات الله بما يجده العاقل- بزعمه- في نفسه!! فأين التنزيه وأين ليس كمثله شيء؟!

فلما نظر إلى الصفات الواردة في الكتاب والسنة، ثم عرضها على ما يعرفه في المخلوق وجد نفسه مضطرا إلى التعطيل والتأويل فرارا من التشبيه وتحقيقا للتنزيه، وهذا إنما أُتي من حيث التشبيه فهو قد شبه أولا، ونظر بعين التشبيه ثم لم يجد بُداً من التعطيل، فعالج الداء بما هو أعظم داءً، وهكذا البدعة تجرّ بصاحبها إلى بدع أخرى.
وهذا القاضي عبد الرحمن الأيجي (ت: 756هـ) في كتابه [المواقف في علم الكلام ص 293-294] يقول:«في المقصد السابع: في أنه تعالى متكلم».
ذكر أولا قول الحنابلة وأبطله، ثم ذكر قول المعتزلة بأنه أصوات وحروف يخلقها الله في غيره، كاللوح المحفوظ أو جبريل، أو النبي، وهو حادث (أي مخلوق).
ثم قال:«وهذا لا ننكره (أي القول بأنه حادث) لكنّا نثبت أمرا وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس ونزعم أنه غير العبارات...
فإذا عرفت هذا فأعلم أن ما يقوله المعتزلة، وهو خلق الأصوات والحروف وكونها حادثة قائمة، فنحن نقول به ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك، وما نقوله من كلام النفس فإنهم ينكرون ثبوته...

فإذاً: الأدلة الدالة على حدوث الألفاظ إنما تفيدهم بالنسبة إلى الحنابلة، وأما ما دل على حدوث القرآن مطلقا فحيث يمكن حمله على حدوث الألفاظ...»
يقرر الأيجي أن الأشاعرة يتفقون والمعتزلة على أن القرآن بألفاظه وحروفه مخلوق كما يقرر وجود أدلة تقرر أن القرآن مخلوق؟! وأنها تفيد في الرد على مذهب الحنابلة- أهل السنة والجماعة في قولهم الذي ذكره قبل هذا أن القرآن كلام الله وأنه ليس بمخلوق.
وهذا كتاب جوهرة التوحيد- خاتمة نصوص الاعتقاد في المذهب الأشعري، والمعتمد في مقرر الاعتقاد في الجامعات الإسلامية التي تتبنى المذهب الأشعري كالأزهر وغيره.
وقد اعتنى بشرحه طائفة من علمائهم، منهم إبراهيم البيجوري- كان شيخاً للأزهر- في حاشيته المسماة (تحفة المريد على جوهرة التوحيد)، يقول البيجوري:«... وأعلم أن كلام الله يطلق على الكلام النفيس بمعنى أنه صفة قائمة بذاته تعالى...».
وعلى الكلام اللفظي بمعنى أنه خلقه.... وإطلاقه عليهما قيل بالاشتراك(أي بالاشتراك اللفظي بزعمهم)، وقيل حقيقي في النفسي، مجاز في اللفظي... ومع كون اللفظ الذي نقرؤه حادثا (أي مخلوقا) لا يجوز أن يقال: القرآن حادث إلا في مقام التعليم، لأنه يطلق على الصفة القائمة بذاته أيضا، لكنه مجاز على الأرجح، فربما يتوهم من إطلاق أن القرآن حادث، أن الصفة القائمة بذاته تعالى حادثة....
وقد أضيف له تعالى كلام لفظي كالقرآن، فإنه كلام الله قطعا، بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ... وهذا هو المراد بقولهم القرآن حادث ومدلوله قديم، فأراد بمدلوله «الكلام النفسي....» [الجوهرة- 42].


هكذا يقرر أن القرآن الموجود بين أيدينا والذي نقرؤه مخلوق، وأن الله خلقه في اللوح المحفوظ، ويقرر ويرجح عدم إطلاق هذا الاعتقاد لأن المستمع قد يتوهم أن المراد بالمخلوق المعاني القائمة في ذات الله، وهذا التوهم لا محل له ولا وجود إلا في أذهانهم وعقولهم، لأن الجميع يريد بالقرآن الألفاظ الموجودة بين دفتي المصحف والمقروءة في الصلاة وغيرها، وأما المعاني القائمة في النفس فليست كلاما عند العرب ولم يردها أحد في قوله وتعريفه للقرآن.


ثم يقول عن قول صاحب الجوهرة:

«ونزه القرآن أي كلامه عن الحدوث واحذر انتقامه»

يقول:« أي اعتقد أيها المكلف تنزه القرآن بمعنى كلامه عن الحدوث خلافا للمعتزلة....»، ثم ذكر مذهبهم بأن:«القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرؤه فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال القرآن مخلوق ويراد اللفظ الذي نقرؤه إلا في مقام التعليم لأنه ربما أوهم أن القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق، ولذلك اقتنعت الأئمة من القول بخلق القرآن وقد وقع في ذلك امتحان كبير لخلق كثير من أهل السنة....» [الجوهرة- 54].


هكذا يقرر أن محنة القول بخلق القرآن الذي تولى كبرها المعتزلة، إنما أرادوا مطلق القول الموهم للمعاني القائمة في نفس الله وذاته الكريمة العلية، وقد كذب الأشاعرة فإنهم يريدون الانتصار لمذهبهم وتلبيسهم وتلفيقهم، وعلم الله تعالى، كما علم الخاصة والعامة أن المعتزلة إنما أرادوا القرآن الذي بين أيدينا والمقروء في الصلاة وغيرها، ولم يريدوا المعاني القائمة بالنفس، ولم يعرفوها أصلا لأن أول من نطق بها هم الأشاعرة، فلم يعرفها لا المعتزلة، ولا أهل السنة المحضة أتباع السلف رحمهم الله.

ثم فرّع الأشاعرة من المسائل التي غلب عليها الترف والفساد العقلي بما قعّدوه واستحسنوه من ترهات العقول والأفكار، وها هم ما زالوا يرددون من تلك الأسئلة وتفريعات المسائل التي تقرر خلق القرآن قولهم:

«وهل القرآن بمعنى اللفظ المقروء أفضل أو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟!، تمسك بعضهم بما يروى: كل حرف خير من محمد وآل محمد، لكنه غير محقق الثبوت، والحق أنه صلى الله عليه وسلم أفضل من كل مخلوق كما يؤخذ من كلام الجلال المحلي على البردة...» [الجوهرة- 54].

تدبر يا أخي هذه المقارنة والمفاضلة التي منشؤها المقارنة بين مخلوق ومخلوق، لذلك ترى الترجيح والتفضيل الجائز لأنهم فضلوا محمداً صلى الله عليه وسلم على صفة من صفات الله، ولكنها البدعة والعقل والهوى كذلك تفعل بأصحابها.

ثم مسألة أخرى تدبرها كيف رد القول الأول بحجة واهية ساقطة فيقول:«لكنه غير محقق الثبوت»، ثم رجح ما وافق تقريره وعقيدته المنحرفة بما زعمه مأخوذ من كلام الجلال المحلي في شرحه وتعليقه على البردة!!!

ويقول أيضا:«....والراجح أن المنزل اللفظ والمعنى، وقيل المنزل المعنى وعبر عنه جبريل بألفاظ من عنده، وقيل المنزل المعنى وعبر عنه النبي بألفاظ من عنده، لكن التحقيق الأول لأن الله خلقه أولا في اللوح المحفوظ ثم أنزله في صحائف إلى السماء الدنيا في محل يقال بيت العزة في ليلة القدر... ثم أنزله النبي مفرقا....» [الجوهرة- 55].
انظر رحمك الله موافقتهم للمعتزلة، ولكن عدم التصريح إلا في مقامات الخاصة منهم لإظهار وإيهام موافقتهم لأهل السنة في مخالفة المعتزلة في القول بخلق القرآن!! خلط، وتلفيق، وتدليس، وكذب ثم يزعمون أنهم هم الجماعة، وعلم الله تعالى أنهم لا السنة والنصوص التزموا، ولا الجماعة والصحابة تابعوا ونصروا، بل خالفوهم ورجحوا مذهبهم على مذهب الصحابة السلف الذين أمر الله من أراد النجاة والجنة أن يتابعهم بإتقان وإحسان، وتوعد سبحانه من خالفهم بالنار والعذاب، (وَالسَّابًقُونَ الأَوَّلُونَ مًنَ الْمُهَاجًرًينَ وَالأَنصَارً وَالَّذًينَ اتَّبَعُوهُم بًإًحْسَاني رَّضًيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتي تَجْرًي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالًدًينَ فًيهَا أَبَداً ذَلًكَ الْفَوْزُ الْعَظًيمُ ) [التوبة-100]، (وَمَن يُشَاقًقً الرَّسُولَ مًن بَعْدً مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبًعْ غَيْرَ سَبًيلً الْمُؤْمًنًينَ نُوَلًّهً مَا تَوَلَّى وَنُصْلًهً جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصًيراً ) [النساء-115].

وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجماعة»، وفسرها بقوله:«من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، وهؤلاء لم يتبعوا بل خالفوا، ثم تمادوا ورجحوا مذهبهم على مذهب السلف، ولا المثلية قصدوا، بل تعدوا وأصّلوا في مخالفتهم ثم استهزؤوا بطريقة السلف ورأوا وصرحوا أن طريقتهم خير وأفضل من طريقة من نص الله ورسوله بأنهم الخير والأتم والأفضل.

فالشاهد أن الأشاعرة يزعمون أن القرآن كلام الله، وأن كلامه معنى قائم بنفسه لا يتعلق بالمشيئة، ويقررون أن هذه الألفاظ والحروف مخلوقة، وهي عبارة عن المعنى القائم بنفسه تعالى.

فهم يفرقون بين اللفظ والمعنى، فكلام الله الذي هو معان أزلية قائمة بنفسه لا حرف فيها ولا صوت، وأما الألفاظ والحروف التي في القرآن فهي كلام الله اللفظي، وهو مخلوق يعبر به عن المعاني، فالأول قديم غير مخلوق، (وهذه موافقتهم لأهل السنة بزعمهم)، والثاني حادث مخلوق (وهذه موافقتهم للمعتزلة المعطلة).

يقول شيخ الإسلام: ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وتابعيهم ولا من أهل السنة ولا من أهل البدع، بل أول من عرف في الإسلام أنه جعل مسمى الكلام: المعنى فقط هو عبد الله بن سعيد بن كلاب وهو متأخر في زمن محنة أحمد بن حنبل، وقد أنكر عليه علماء السنة وعلماء البدعة. [مجموع الفتاوى- 7/134].

أخي القارئ تابعنا في المقال القادم بإذن الله تعالى لأذكر لك بعض النقولات التي تؤيد ما أقوله لك، والحمد لله رب العالمين.



الشيخ الدكتور/ فلاح إسماعيل مندكار


تاريخ النشر: الاثنين 19/3/2007

جريدة الوطن