المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما يستعاذ منه (العجز والكسل) { للشيخ عبد الرحمن العتيبي }


Musleem
08-11-2007, 07:10 AM
ما يستعاذ منه (العجز والكسل)


نيل الدرجات العالية في الجنة يكون برحمة الله ثم بالجد والاجتهاد



استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من العجز والكسل وهما يمنعان العبد من الخير الكثير، والكسل دليل على الخذلان والخسران والتحلي به سبب للحرمان، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال» [رواه البخاري ومسلم].




العجز والكسل

العجز: هو القعود عن الفعل بالكلية فهو عاجز عن العمل ولا يستطيع التمكن منه فالعجز عدم القدرة.

الكسل: هو التواني والتراخي عن أداء العمل بما يسبب عدم إتمام العمل أو رداءة العمل وعدم متانته، والكسل نقص في الإرادة.



الظفر في الآخرة بترك الكسل

نيل الدرجات العالية في الجنة يكون برحمة الله ثم بالجد والاجتهاد وترتفع درجة العبد في المراتب العالية في الجنة على قدر الأعمال، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في السماء» [متفق عليه].


وقد سألت أحد مشائخي هل يحزن من درجته أقل في الجنة إذا رأى من هو أعلى منه في الجنة؟

فأجاب: أن المؤمن لا يحزن إذا رأى من هو أعلى منه في الجنة، لأن الجنة لا حزن فيها، ولكن من هو في درجة أعلى فإنه يسر إذا رأى في مرتبته في الجنة أنه أعلى من غيره، قال ابن القيم:

يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان
فالعامل المشمر المجتهد في طلب الآخرة، الذي ينبذ الكسل هو الذي ينال المراتب العالية في الجنة.
الظفر في الدنيا بترك الكسل
في هذه الدنيا الكسلان تفوته مصالح كثيرة، فمن يتعب اليوم تسهل عليه الأمور في المستقبل بإذن الله، ومن يصبو إلى تحقيق هدف سامي فعليه بالعمل وترك الكسل، فإن كان مراده العلم الشرعي فليلزم الجد والاجتهاد ويبذل الطاقة ويبتعد عن الكسل والتواني، قال يحيى بن كثير: لا ينال العلم براحة الجسم.


قال الشافعي:

وأبيت سهران الدجى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي
فالكسل نعوذ بالله منه يؤدي إلى فوات الفرص التي يصعب تعويضها ويؤدي إلى الحرمان من تحقيق ما نرغب في حصوله، وبهذا الكسل تتراكم الأعمال حتى يصل إلى العجز عن القيام بها وينتج عن ذلك ضعف في عزيمته تجاه فعل ما يريد.

ومشتت العزمات يقضي عمره حيران لا ظفر ولا إخفاق
فعلى مريد الخير والنجاح أن يبتعد عن الكسل ويلجأ إلى الله بالاستعاذة به بأن يعصمه من العجز والكسل.

حث الإسلام على العمل وترك الكسل
عن المقدام بن معدي كرب- رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود - عليه السلام- كان يأكل من عمل يده» [رواه البخاري].
فالإسلام يحث على العمل، ومن يعمل ويريد بهذا العمل إعفاف نفسه والإنفاق على من يعول فهو مأجور على هذا العمل بشرط أن يكون عملا مباحا ويخلص فيه النية لله ويحسن في أداء عمله.



عقوبة الكسل عن القيام للصلاة

لا يجوز التكاسل عن الصلاة وقد جاء الوعيد الشديد في ذلك عن سمرة بن جندب- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه أتاني الليلة آتيان، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخر لرأسه فيثلغ رأسه فيتهدهده الحجر ههنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال قلت لهما: سبحان الله ما هذا؟، قال: قالا لي: الرجل الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، فهذه عقوبة من ينام عن الصلاة فكيف بمن يتركها متكاسلا، فالعقوبة في حالته أشد ممن يؤخرها ولا يصليها لوقتها، والتكاسل عن الصلاة من صفات المنافقين، قال تعالى (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) [النساء- 142].

وهذا حالهم مع أعمال الخير والمؤمن مدعو إلى الحذر من أن يكون من المنافقين، وكان الصحابة- رضي الله عنهم- يخشون النفاق على أنفسهم، فالمنافق متكاسل عن الصلاة ولا يحب الطاعات، قال تعالى (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون) [التوبة- 54].

فليبادر المسلم والمسلمة إلى أداء الصلاة بنشاط ولنحرص جميعا على أدائها في أوقاتها الشرعية مع رغبة فيها لأنها الصلة بين العبد وربه وهي سبب من أسباب رحمة الله ودخول الجنة والنجاة من النار.


ما يُذْهًب الكسل

1- ذكر الله يطرد الشيطان والكسل، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن هو استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة ثانية، فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» [رواه البخاري].

2- النوم المبكر وترك السهر فإن من يذهبون إلى أعمالهم في النهار يشتكون من الكسل في إتمام أعمالهم وهذا بسبب السهر وقلة النوم، فالنوم المبكر علاج لهذا الكسل الذي يلازمهم أثناء النهار.

3- الامتناع بالعمل الذي يزاوله الشخص، فالأفضل أن يقوم بعمل محبب إلى نفسه يكون عند أدائه له نشيطا مبتهجا به، فإن كان في عمل لا يرغب فيه فليحاول التأقلم معه وينظر إلى المصالح الأخرى التي تساعده في الاستمرار في هذا العمل حتى يهيئ الله له الانتقال إلى ما هو أفضل في نظره وما يرى أنه مناسب له.

4- احتساب الأجر وطلب الثواب من الله وهذا دافع قوي إلى ترك الكسل والمبادرة إلى عمل ما ينفع في الدنيا والآخرة.

5- الاهتمام بالصحة وعلاج الأمراض التي تسبب الكسل بما هو مشروع من الأدوية المباحة.

6- الاعتناء بالتغذية السليمة فإن الجوع الشديد يقعد عن العمل والتخمة تؤدي إلى الخمول والكسل، وقد قيل (البطنة تذهب الفطنة).

7- مخالفة هوى النفس، فإن النفس تدعو كثيرا إلى الدعة والراحة وترك القيام بالواجب، والأفضل في هذه الحالة مخالفتها، قال عبد الله بن المبارك:
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
وفي كتب الأدب قالوا في ذم البطالة. اغتنم من الخير ما تعجلت ومن الأهواء ما سوفت، ومن النصب ما عاد عليك، ولا تفرح بالبطالة ولا تجبن عن العمل.

8- أخذ الراحة للجسم وتقسيم العمل على فترات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن المنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع»، والمنبت هو الذي يواصل السير، لا ظهراً أبقى: أي تسبب في هلاك راحلته التي يركب عليها لأنه أنهكها بمواصلة المسير فلا يسمح لها بالرعي أو الاستراحة من عناء السفر، ولا أرضا قطع أي: لم يكمل المسافة لأنه إذا هلكت دابته فسيتوقف عن الاستمرار بالكلية، وهو السبب في ذلك لأنه لم يراع راحلته.



قال ابن المقفع عن ساعة الراحة: على العاقل ما لم يكن مغلوبا على نفسه ألا يشغله شغل عن أربع ساعات:

ساعة يرفع فيها حاجته إلى ربه
وساعة يحاسب فيها نفسه
وساعة يفضي فيها إلى إخوانه وثقاته الذين يصدقونه عن عيوبه وينصحونه في أمره
وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذتها مما يحل وليس بمحرم فإن هذه الساعة عون على الساعات الأخر، وإن استجمام القلوب وتوديعها زيادة قوت لها.
وبهذه الاستعاذة نعرف شمولية الإسلام للحياة وحرصه على جلب ما ينفع للعبد ودفع ما يضره، فلنحرص عل الاستعاذة بالله العظيم من العجز الذي هو عدم القدرة والذي يحصل بسبب مرض أو مصيبة فيتعطل الجسم عن القيام بالعمل، ولنستعذ بالله من الكسل الذي هو ضعف في الإرادة مع وجود القدرة التي لم تستغل حتى ضاعت على العبد الفرصة في عمل ما ينفعه، ومآل الكسل إلى الخيبة والخسران في الدنيا والآخرة (اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل) ومن استعاذ بالله فإنه نعم المعيذ ونعم المولى ونعم النصير.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 12/3/2007

جريدة الوطن