المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قبسات من سورة النور { للشيخ جمال المهنا }


Musleem
08-11-2007, 07:06 AM
قبسات من سورة النور



الحمد لله الذي أوضح طريق الهدى لعباده غاية الإيضاح، حتى أنه جعله أبلج لا يعتريه غموض أو لبس بغيره، قال تعالى (وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إًلَيْكُمْ آيَاتي مُّبَيًّنَاتي وَمَثَلاً مًّنَ الَّذًينَ خَلَوْا مًن قَبْلًكُمْ وَمَوْعًظَةً لًّلْمُتَّقًينَ) [النور- 34]، ثم بيّن الحق تبارك وتعالى منّته وفضله على عموم الخلق بأن أنار السماوات والأرض بالنور الحسي المتمثل بالوحي الذي أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وغيره من أنبيائه ورسله، وضرب لنا مثل نوره تقريباً للأفهام فقام سبحانه (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتً وَالْأَرْضً مَثَلُ نُورًهً كَمًشْكَاةي فًيهَا مًصْبَاحي الْمًصْبَاحُ فًي زُجَاجَةي الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبي دُرًّيّي يُوقَدُ مًن شَجَرَةي مُّبَارَكَةي زَيْتُونًةي لَّا شَرْقًيَّةي وَلَا غَرْبًيَّةي يَكَادُ زَيْتُهَا يُضًيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَاري نُّوري عَلَى نُوري) [النور- 35].
تدبر هذا المثل! مثل ما يهدي إليه الله تعالى من نور القرآن والإيمان في قلوب المؤمنين كالمشكاة أي كوة وهي المكان الذي يجعل للسراج في الجدار (فًيهَا مًصْبَاحي) لأن الكوة، تجمع نور المصباح بحيث لا يتفرق، ذلك (الْمًصْبَاحُ فًي زُجَاجَةي) من صفائها وبهائها (كَأَنَّهَا كَوْكَبي دُرًّيّي) أي: مضيء إضاءة الدّرّ، (يُوقدُ) ذلك المصباح، الذي في تلك الزجاجة الدرية (مًن شَجَرَةي مُّبَارَكَةي) أي: يوقد من زيت الزيتون الذي ناره، من أنور ما يكون، وشجرته عظيمة المنافع من ورقها إلى جذورها، (لَّا شَرْقًيَّةي) وهي التي تصيبها الشمس آخر النهار، (وَلَا غَرْبًيَّةي) وهي التي تصيبها الشمس أول النهار.


وإذا انتفى عنها هذان الأمران، كانت متوسطة من الأرض، كزيتون الشام، تصيبه الشمس أول النهار وآخره، فيحسن ويطيب، ويكون أصفى لزيتها، ولهذا قال (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضًيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَاري) فإذا مسته النار أضاء إضاءة بليغة، (نُّوري عَلَى نُوري) أي: أنوار اجتمع بعضها إلى بعض من نور المصباح والزجاجة والزيت.


بعد ضرب هذا المثل في هذه الآية، ووصف آياته في الآية التي قبلها، وفي الآية [46] يقول جل وعلا (لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتي مُّبَيًّنَاتي وَاللَّهُ يَهْدًي مَن يَشَاءُ إًلَى صًرَاطي مُّسْتَقًيمي) فإذا جمعت هذه الآيات الثلاث بعضها إلى بعض ازددت بحول الله وقوته يقينا بظهور الحق وعدم خفائه، وأن هذه هي السمة العامة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ألم يقل صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء الذي أخرجه ابن ماجة في المقدمة من سننه "وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء"، قال أبو الدرداء: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم تركنا، والله، على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء.
وإنك لتعجب غاية العجب من وضوح منهج النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الحد، وبعد أكثر الناس عنه إما كلا أو بعضا، وإن هذا العجب ليزول إن استذكرت أن الله جل وعلا يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، قال تعالى (فَإًن لَّمْ يَسْتَجًيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبًعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مًمَّنً اتَّبَعَ هَوَاهُ بًغَيْرً هُدًى مًّنَ اللَّهً إًنَّ اللَّهَ لَا يَهْدًي الْقَوْمَ الظَّالًمًينَ) [القصص-50]، وقال سبحانه (يَهْدًي اللَّهُ لًنُورًهً مَن يَشَاءُ) [النور- 35]، وقال تعالى (وَمَن لَّمْ يَجْعَلً اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مًن نُّوري) [النور-40].



جمال المهنا

تاريخ النشر: الاثنين 5/3/2007

جريدة الوطن