المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكتاب وقانون الكتابة في القرطاس {للشيخ عبد العزيز العتيبي}


Musleem
08-11-2007, 06:32 AM
الكُتَّابُ وَقَانونُ الكتَابَة في القرْطَاس



الحمد لله الذي علَّمَ بالقلم والصلاة والسلام علَى من أُرْسلَ إلَي الناس كافة» من عرب وعجم، وبعد:



قال الله تعالَى: (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)[العلق: 3-5]، وهذا قسم من الله تعالَى وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة الَّتي بها تُنَالُ العلومُ وَلهذا قال تعالَى:(والقلم وما يسطرون) [القلم:1].

وَإن إمساك اليد بالقلم والصحيفة وانسياب المداد ليكتب مخزون العقل وما يستحضره الذهن، لَهو فن رفيع القدر، عظيم الشأن، مَنَّ اللهُ سُبْحَانَهُ به عَلَى عباده، لذلك يَحْسُنُ لكُلّ كاتب أَنْ يَعْرفَ قَانُونَهُ وَأَعْرَافَهُ.


والكتابُ الْمَرقوم قد يكون هدفه:
1- مراسلةُ لأخ و صديق أو رفيق.

2- كتابة مَضْمُونُها المديح والثناء.

3- وقد يكون الكاتب ذَا مهْنة في وزارة أو ديوان أو كاتب لَدَى سُلْطان، يَقُومُ عَلَى إعْدَاد الْمُراسَلات وَالْمُخَاطَباتَ، وبأسلوبه يوقد الْحَرْبَ بَيْنَ الطرفين، وَكَمْ جَمَعَ بجَميل خطَابه بَيْنَ ضدَّيْن.

4- وَمن الكتابَة تَصنيف الكتب وَالْمؤَلفات في شَتَّى الْمَعَارفَ وَالعلوم.

5- وَمَن فنون الكتابة أن يكون كاتب مَقَال ينشر ما يكتب في إحدَى الصحف اليومية أو الأسبوعية
.


خير ما يقتني اللبيب كتاب ... محكم النقل متقن التقييد
فما هو القانون الذي يحكم قلم الكاتب؟
وما هو المعيار الذي يقاس به أداء الكاتب؟
وما هي المعالم المشتركة التي يجب توافرها في المكتوب؟ ليجاز عندَ نُقَّاد الكَلم وَلْيُكْتَبَ لَهُ النَّجَاحُ.


أولا: الصدق والإخلاص
ينبغي أن يكون الكاتب صادقي فًيما يكتبه، نبيلي فًي رسالته، لا يسرق عقل القارئ، الذي يقرأ له، إلَى بيئة لا تعرف من الكتابة إلا رسمها، ينحت في ذهنه الكذب والنفاق، قال تعالَى:(اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)[التوبة: 119]،
وفي روَايَة لأحمد في مسنده (1/410)، وأبو يعلَى في مسنده (9/245) بسند صحيح، كان عبد الله بن مسعود رضي الله يقول: (إن الكذب لا يصلح منه جَد وَلا هَزَل، ولا يَعدُ الرَّجُلُ صَبيَّا ثُمَّ لا يُنْجَزُ لَهُ).
وأفضل منه ما روى البخاري (6094)، ومسلم(2607) في صَحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا».



ثانيا: وضوح الهدف وَسُمو الغاية
تَحديد الْهدف والغاية من الكتابة عنصر مهم وأمر لازم، لًمن أراد ولوج هذا الميدان، لذلك نجد من يكتب لغايَةي يُجهد النفس في جمع الأفكار وضمها إلَى بعضها لتكون خادما لهذا الْهدف وتحت لواء هذه الغاية، وفقدان الْهدف هو ضياع للْهوية وكشف لشخصية ذلك الكاتب، وموقعه من فن الكتابة الرفيع، لذا أهداف الكاتب لابد وأن تكون محددة واضحة الْمعالًم .

مَنْ كَانَ يُؤْمنُ بالله واليوم الآخر فَلْيَكْتُبْ خيراً أو لًيُمْسكْ

وكما أن الوضوح مطلب فكذلك السمو والرفعة بهذا الْهدف من أسْمَى المطالب، وأن يكون هدفه تقديم الْخَير لأمته بمداد القلم، ومن كتب لأهداف دنيوية وَأُمور دَنًيَّة فعزاءُنا للقلم والْمحْبَرَة والقرطاس، فَعَلامَ ضَيَاع الزمن، وَلتجرب مواهبك في فني آخَرَ، واترك القلم والكَتْبَ لأهله .
وعلَى ذلك جرى اتفاق أهل العلم والقلم، فقال الذهبي في كتاب الكبائر وقبله النووي والغزالي:
و ينبغي للإنسان أن يسكت عن كل ما رآه من أحوال الناس إلا ما في حكايته فائدة للمسلمين .



ثالثا: انتقاءُ الْمُفرَدَة والعناية بها
وفي ذلك إحياء وعودة إلَى اللغة العربية - لغة القرآن - باختيار المفردة التي لا تؤذي قارئا أو سامعا، بل تجد قبولا ومعالَجة نفسية يعيشها القارئ، وبشيوع الْمُفردة النَّقيَّة الْحَيَّة عنْدَ الكَاتب والقارئ وانتشارها نرقى بالذوق العام للمجتمعات، وفي هذا احْترَامُ الكَاتب لعقْله، وإنه في حال العمل علَى صَقْل العقل وتسليحه بالعلم والمعرفة، ومع الممارسة وَالدُّرْبَة، يجدُ عقلاَ ذا مَخزون مَعْرفي، يَتَجَوَّلُ فيه فينتقي لكل موقف مفردته، ولكل ميداني كلمته.



رابعاً: السمو مع المتلقّي (القارئ والسامع) نعني كُلَّ مُخَاطَب بالكتابة ولو كان خصما أو عدوا فقد قال الله تَعَالَى: (وقولوا للناس حسنا) [ البقرة: 83 ]، وقال تعالَى:(اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) [طه:43 -44]، يقول الله تعالَى: لموسى وهارون: فقولا لفرعون قولا لينا، وفي ذلك توجيه بلين الجانب.
والكتابة والقول مثيلان، فإن القلم أحد اللسانين، وكاتب النبي صلَّى الله عليه وسلم كسرى الفرس وقيصر الروم ونجاشي الحبشة» بعبارات لطيفة لعلهم يدخلون في دين الله وَيَدَعُونَ ما هم عليه عاكفين، كما روى البخاري (7)، ومسلم(1773) في صَحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه فإذا فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم). وباحترام القارئ وَمُخاطبة عقله بًهدوء قد يَبْلُغُ العلاجُ موضعه فيكون القبول.



خامسا: العلم والمعرفة
وهل هناك كاتب بلا معرفة ولا علم؟! وفي هذا عدة أمور:
(1) الواجب على كل من تصدى للكتابة أن تكون لديه قاعدة من المعرفة والعلم.
(2) من المعلوم أن أسمى العلوم وأعلاها قدرا وشأنا هو العلم بالكتاب والسنة.
(3) أن يحسن الجمع بين تراكيب مفرداته وضم معلوماته ويقوم علَى توجيهها ووضعها في مَكَانها الذي جُعلَتْ لَهُ.



سادساً: التأدب مع المخالف
وهنا التؤدة وعدم التعصب في الرد أمري مطلوب، ووصف عزيز مرغوب، فبالرفق والتؤدة يتسنى للكاتب وضع كل حرف موضعه.ولنا ما روى الترمذي في سننه (2010)، وعبد بن حميد في مسنده (1/183) ما صح عن عبد الله بن سرجس المزني قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة».

والكتابة بغضب عند المعالجة و في حال الردود عَلَى المخالف، يُغْلَقُ العقلُ وهنالك لا تسأل؟
لماذا يزل القلم في اختيار تراكيبه وجمله ومفرداته.


وللحديث بقية في هذا الباب المهم.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 12/2/2007

جريدة الوطن