المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أبناؤنا وثقافة العنف { للشيخ عبد الرحمن العتيبي }


Musleem
08-11-2007, 06:29 AM
أبناؤنا وثقافة العنف



لا بد من التخطيط المسبق والاستعداد لمن يتربص بالمسلمين ومعرفة العدو من الصديق
إذا أردت أن تستمع إلى الأخبار فإذا بك تسمع بالقتل والتفجير والتدمير، وهذا يذكرنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان يكثر الهرج (القتل)، وإذا أردت الإطلاع على ما يكتب فإذا بك تقرأ عن القتل والعبوات الناسفة، وأكثر ما يحصل هذا التدمير في مناطق العالم الإسلامي مما يزيد المسلم ألماً وحسرة على الحال الذي وصل إليه الأمر من رخص للدم المسلم، ومع قلة حيلة المسلم وتكالب الأعداء لمنع نصرة هؤلاء المستضعفين أو محاولة دفع الشر عنهم، يتوجه المسلم بالدعاء إلى ربه العظيم أن ينصر إخوانه المستضعفين وأن يحمي الله النساء والأطفال الذين لا يجدون حيلة ولا يستطيعون سبيلاً، راجين من الله أن يفتح على المسلمين ويفرج الكربة بأمر من عنده، قال تعالى (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده) [المائدة- 52]، واثقين بقوة الله وبنصره لأوليائه قال تعالى (ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما)[الفتح- 7]، مع تأكيدنا وجوب إعداد ما نستطيع من قوة كما أمر الله، قال تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) [الأنفال- 60].


ولا بد من التخطيط المسبق والاستعداد لمن يتربص بالمسلمين، ومعرفة العدو من الصديق وذلك من خلال التوافق في العقيدة أو الاختلاف عليها، حتى لا نؤخذ على غرّة أو نفاجأ بمن ينقلب علينا فنكتشف أن مجاراته لنا كانت لأجل ضعفه، فإذا حصل له شيء من التمكن أظهر عداوته وإيذاءه للمسلمين، إلى درجة تصل للقتل، إننا في عالم أصبح القتل المتعمد للإنسان شبه يومي حتى أن ذلك بدأ يبث شعورا بعدم الاطمئنان، هناك تساؤل لماذا لا يوقف هذا القتل والتدمير، نريد أن نستمع إلى أخبار ليس فيها ذكر للعنف والبطش والقتل، نريد أن نقرأ شيئا مفيدا يساهم في بناء حياة الإنسان، ولا نحب أن نرى صورا لأشلاء ممزقة امتهنت فيها كرامة الإنسان وذهبت معها مهابة الموت.


أخبار العنف وأثرها على أبنائنا
إن نظرة الطفل الصغير للحياة نظرة بريئة وجميلة وهو يعتقد أن هذه الحياة ستستمر بهذه الصورة إن هذا الصغير محل للرحمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا» [رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح].


ولكن مع هذا الهوس الإعلامي وأخبار العنف وما يكتب وما يعرض من صور أصبح هؤلاء الصغار وغيرهم ممن يكبرهم من الشباب عندهم الجرأة على العنف وعلى رؤية الدماء وهي تنزف دونما اشمئزاز أو شعور بالرحمة، وهذا جانب سلبي ينبغي معالجته وإلا قد يكون له مضاعفات في المستقبل تؤدي إلى انحرافهم، وصلت الحال ببعض الشباب إلى أن يحتفظوا بمشاهد القتل في هواتفهم المحمولة ويحرص على عرضها على الآخرين وكأنها مشاهد مسلية، هذه المشاهد يعرض فيها كيف يذبح الإنسان بالسكين كالخراف أو ما يشابهه في مشاهد العنف.


مسؤولية الراعي
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» فعلينا جميعا مسؤولية للحد من هذا الشر الكل يجب أن يساهم الجهات الإعلامية وأولياء الأمور، فعلى أولياء الأمور مسؤولية تجاه من ولاهم الله على رعايته عليه أن يحجب عنهم ما يضرهم ولا ينفعهم، عليه أن يبصرهم بخطورة الاسترسال مع هذه المشاهد أو السلوكيات الخاطئة، وكل منا سيسأل عمن استرعاه الله.



خطورة هذه المشاهد
ذكرت إحدى الصحف أنه حصلت وفاة وإصابة عدد من الأطفال في تمثيل مشاهد القتل التي رأوها.

أقدم صبي يبلغ أربعة عشر عاما من إحدى المناطق صنعاء بشنق نفسه على نفس طريقة الإعدام التي رآها.

أصيب طفل آخر يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاما من محافظة مأرب بغيبوبة من حبل مشنقة نصبها مع أخيه الأصغر منه بعام واحد في إحدى غرف المنزل بعد الاتفاق على تمثيل المشهد قبل أن يصل والدهما بعد صراخ ابنه الأصغر مبارك ليجد الابن الأكبر محمد معلقا بحبل مربوط إلى سقف الغرفة لينقله إلى المستشفى الذي رقد فيه.
كما سجل أيضا وفاة أيمن منصور من قرية النقيلين مديرية السياني بمحافظة باب إلى قائمة ضحايا هذه المشاهد بعد أن أقدم الطفل أيمن وعمره اثني عشرة عاما على تمثيل المشهد أمام أقرانه كونه الوحيد الذي شاهد منظر الإعدام وعقب ربط حبل في شجرة طلع ولفه بعنقه بعد أن وقف على صندوق ركن فوق مجموعة أحجار وصعد عليه، وبحسب مصادر محلية فإن أطفال القرية ظنوا صوت الحشرجة التي جاءت من أيمن عقب سقوط السطل من تحت قدميه إنما في إطار التمثيل قبل أن يكتشفوا أن رفيقهم قد أصبح جثة هامدة.




وسائل لمعالجة هذا الشر

أولا: من تولى مسؤولية على جمع من الناس فهو مطالب بحجب الشر عنهم والحرص على ألا يصل إلى الناس إلا كل ما فيه خير لدينهم ودنياهم وهذه المسؤولية تقع على وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة فعليها مسؤولية تجاه نشر هذه المشاهد أو حتى المشاهد التي تثير الشهوات، فعلى من هو مسؤول عن هذه الوسائل الإعلامية أن يتقي الله في نفسه، وأن يعمل على حفظ الشباب والشابات من الوقوع في الرذيلة بسبب ما يرونه من شر.


ثانيا: غرس الأخلاق الفاضلة في نفوس الناس وبثها بينهم وتوجيههم إلى ذلك وإبراز جانب الرحمة واللين والتسامح والرفق والأخلاق الطيبة التي أمر بها الإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» [رواه مسلم]، والحث على التواضع بين المسلمين كما أمر الله تبارك وتعالى بذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله تعالى أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد» [رواه مسلم]، والتحذير مما يضاد هذه الأخلاق من الكبر والظلم والتعدي على الآخرين، عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر» [متفق عليه]، وقيل في معنى (عتل): الغليظ الجافي وقيل في معنى (جواظ): الضخم المختال في مشيته الجموع المنوع وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» [رواه مسلم].

وقد بين الله تعالى أنه جعل الجنة في الدار الآخرة للمؤمنين الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا إفسادا ويبتعدون عن إيذاء الناس ويسعون في نفعهم قال تعالى (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين [القصص- 83].


ثالثا: الاهتمام بتربية الأبناء ومعرفة ماذا يعملون وماذا يقتنون ومن يجالسون وبعدها يتم توجيههم إلى ما ينفعهم ولا يضرهم ويؤدي إلى صلاحهم، وهذا العمل فيه مشقة ولكن نتيجته طيبة للآباء والأبناء، وثمرته في الدنيا والآخرة حسنة، قال رسول الله صلى عليه وسلم «إذا مات ابن آدم انقطع إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» فذكر الولد الصالح وهو يشمل الذكر والأنثى فهذه عاقبة طيبة لصلاح الذرية وهم مسؤولية وأمانة قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم- 6].



أصلح الله لنا ولكم النية والذرية وحمانا وإياكم من كل شر وجعلنا هداة مهتدين وصلى الله وسلم على خير البشر محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 12/2/2007

جريدة الوطن