المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العام الهجري الجديد (1/2) { للشيخ عبد الرحمن العتيبي }


Musleem
08-11-2007, 05:59 AM
العام الهجري الجديد (1/2)


إن الحياة الدنيا سريعاً ما تمضي ويؤول مافيها إلى الخراب وتصبح تلك الأيام كأنها أحلام وليست حقيقة


ذهب عام ودخل عام وهكذا تتوالى السنون، والأعوام تمضي سريعاً وكأننا نعيش في لعب وأحلام، قال تعالى ?اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعًبي وَلَهْوي وَزًينَةي وَتَفَاخُري بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُري فًي الْأَمْوَالً وَالْأَوْلَادً? [الحديدـ20]، تصوروا لو أن أطفالا قد خرجوا مع أهليهم في نزهة برية وذلك بعد هطول المطر وأخذ هؤلاء الأطفال يلعبون بالتراب ويعملون منه البيوت وزينوها ورتبوا لها المداخل والغرف وكل يعمل على ما يشتهي من الطرق الهندسية لمنازلهم تلك، ومع هذا السرور واللعب وقد مضى الزمن سريعاً دون أن يشعروا به، فإذا بمن جاء بهم إلى هذا المكان يناديهم هيا فقد انتهى وقت الرحلة.

فما كان من هؤلاء إلا أن قاموا بتخريب ما بنوا من بيوت وبكل سرعة وبكل سهولة ضربا بالأيدي وركلا بالأرجل حتى تهدمت تلك البيوت.

إن الحياة الدنيا سريعا ما تمضي ويؤول ما فيها إلى الخراب وتصبح تلك الأيام كأنها أحلام وليست حقيقة.

ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام

إن من أخبر أن الحياة الدنيا لعب هو رب السماوات والأرضين الخالق العظيم، إن الدنيا في الآخرة لا تساوي شيئا عند المقارنة بينهما، فالدنيا زائلة والآخرة دائمة، إن زخرف الدنيا الذي يتهافت عليه بعض الناس، وينسى ربه وينسى آخرته لأجله إنما هذا الزخرف كهشاشة الطفل التي تحرك له حتى يتلهى بها، قال تعالى ?وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إًلَّا مَتَاعُ الْغُرُورً? [الحديدـ20].

إننا بحاجة إلى وقفة حازمة مع أنفسنا في نهاية العام الهجري وبداية العام الهجري الجديد، قال الحسن البصريـ رحمه اللهـ:«ابن آدم إنما أنت أيام إذا ذهب يوم ذهب بعضك، نحن بحاجة إلى تقوية علاقتنا بربنا جل وعلا بالتقرب إليه بما افترضته علينا وأن يرانا حيث يحب سبحانه، على اتصال بربنا من خلال العبادة في اليوم والليلة دونما انقطاع، قال تعالى ?واعبد ربك حتى يأتيك اليقين?، واليقين هنا هو الموت، نحن بحاجة إلى تقوية علاقتنا بأقاربنا بالسؤال عنهم ومعرفة أحوالهم ومساعدتهم أفراحهم وأحزانهم للمواساة وذلك يؤدي إلى الألفة والمحبة وتفقد أحوالهم الدينية والدنيوية وتوجيههم حسب الاستطاعة، ونحن بحاجة إلى تقوية علاقاتنا بإخواننا المسلمين حتى نحقق الأخوة الإسلامية ونناصرهم بالدعاء لهم، وبما نستطيعه من مساعدة، ونحاول دعوة غير المسلمين إلى الإسلام حتى يشملهم خير التوحيد والإيمان ويعرفوا ربهم فيعبدوه فنكون سبباً للخير على غيرنا.

قالوا: من كان يومه مثل أمسه فهو مغبون، فكيف بمن كان يومه أسوأ من أمسه.

لنتطلع مع هذا العام الجديد إلى الأفضل، ولا ينبغي أن نفكر بأن نعطي ربنا ما يتبقى من أعمارنا أو ننتظر حتى يدهمنا المرض، بل الذي ينبغي هو أن نبادر ونعطي ديننا الحق زهرة أعمارنا، فالله عز وجل أثنى على أصحاب الكهف وأكرمهم لأنهم فتية آمنوا بربهم فهم تمسكوا بالحق في شبابهم، قال تعالى ?إًنَّهُمْ فًتْيَةي آمَنُوا بًرَبًّهًمْ وَزًدْنَاهُمْ هُدًى?[الكهفـ13]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم شاب نشأ في عبادة الله».

شهر محرم وصوم يوم عاشوراء

شهر محرم هو أول شهر في بداية كل عام هجري جديد ولهذا الشهر فضيلة، عن أبي هريرةـ رضي الله عنهـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم» [رواه مسلم]، فيسن الإكثار من الصوم في أيام هذا الشهر وهذا فيه بداية عام بطاعة لله تعالى وخاصة الحرص على صوم يوم عاشوراء وهو العاشر من محرم، فعن أبي قتادةـ رضي الله عنهـ أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام عاشوراء فقال «احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» [رواه مسلم]، ويسن صوم يوم قبله لما في مسلم عن عبد الله بن عباسـ رضي الله عنهماـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، وعندما جاء نبينا إلى المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء فلما سأل عن ذلك، قالوا إنه يوم نجى الله فيه موسى من فرعون، فقال صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بموسى.


العام الهجري الجديد والزمن


قال الله تعالى ?وَالْعَصْرً(1) إًنَّ الْإًنسَانَ لَفًي خُسْري(2) إًلَّا الَّذًينَ آمَنُوا وَعَمًلُوا الصَّالًحَاتً وَتَوَاصَوْا بًالْحَقًّ وَتَوَاصَوْا بًالصَّبْرً(3)? [سورة العصر]، أقسم الله بالعصر وقيل هو الزمن، وقيل العصر المعروف الذي يعقب انتهاء وقت الظهر إلى غروب الشمس، ولله أن يقسم بغير الله، والزمن له أهمية كبيرة في حياة الفرد والأمة، فهو الوقت الذي تنجز فيه الأعمال وتنهض فيه الحضارات ويتم فيه إعداد القوة التي هي سر تفوق كل أمة على سائر الأمم في أي عصر، وهذا التفوق لا يحصل إلا من خلال الزمن والإعداد والبناء، قال تعالى ?وَأَعًدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مًّن قُوَّةي وَمًن رًّبَاطً الْخَيْلً تُرْهًبُونَ بًهً عَدْوَّ اللّهً وَعَدُوَّكُمْ? [الأنفالـ60]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير».

فالقوة مصدر عزة للأمة وقد أمر الله بإعداد تلك القوة لأعداء الحق، حلفاء الشيطان الساعين للقتل والدمار وفرض سيطرتهم على الموحدين، هذه القوة التي أخفق في إعدادها الكثير وأصبحوا يقدمون المهاترات الكلامية والتحديات غير المسؤولة على القوة الفعلية التي أمر الله بها، فأصابتهم الهزيمة وجلبوا الخراب على المسلمين، وهؤلاء تخطيطهم فيه خلل وإقدامهم وإحجامهم فيه زلل، وحساباتهم غير صحيحة واستهانتهم بقوة العدو في غير محلها، وإلا فالإسلام لا يأمر إلا بالخير ومن عمل به حسبما أمر فسيكون له النصر بإذن الله، نسأل الله السلامة والتوفيق والسداد فالموفق من وفقه الله والمخذول من وكله الله إلى نفسه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

يقول الشافعيـ رحمه اللهـ عن سورة العصر(لو ما نزل على الأمة إلا هذه السورة لكفتهم)، وهذه السورة قليلة المبنى غزيرة المعنى، قال تعالى ?إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات?، فاستثنى الله المؤمنين من الخسران فهم آمنوا ثم عملوا، ولا بد أن يصدق الإيمان العمل وإلا فكل يستطيع أن يدعي قوة الإيمان وكماله ولكن يصدق ذلك ويكذبه العمل والتضحية وبذل النفس والمال والوقت في طاعة الله فذلك برهان الإيمان، ثم أخبر سبحانه في سورة العصر أن من صفات هؤلاء المؤمنين ?وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر?، والتواصي بالحق يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطبيعي إذا كان هناك عمل صالح بالأمر بالخير والنهي عن الشر لا بد أن يكون هناك معارضون معادون من قبل النفس والشيطان ومن لا يحبون الخير ولا يمتثلونه، فكان لا بد من التواصي بــ «الصبر» الذي يحصل به تحمل مشقة العمل وعناد هؤلاء الأقوام وإيذائهم للمؤمنين بالقول والفعل نسأل الله السلامة والعصمة وأن يجعلنا ممن حفظ هذه السورة الكريمة وعمل بمقتضاها.

الهجرة حدث ديني تاريخي عظيم

هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة من أرضه التي ولد فيها ونشأ وهي أحب البقاع إلى نفسه وتركها صلى الله عليه وسلم وهذا من التضحية بما تحبه النفس إلى ما يحبه الله جل وعلا، فسلامة الدين والظفر برضا الله مقدم على محبة الموطن، لان مدار حياة المسلم الحق حول إسلامه وكيف يستطيع إظهار شعائر دينه، والأرض لله يورثها من يشاء فحيثما وجد المسلم أرضا يظهر فيها إسلامه ويقطنها المسلمون فهي بلاده.

بنو الإسلام إخواني

وأرض الله أوطاني

رسول الله قدوتنـا

وبيت الله قبلتنــا


حصلت الهجرة بعد أن مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى توحيد الله ونبذ عبادة الأصنام، فاتبعه البعض وخالفته الأكثرية، وكانت الخطوة لهذا النبي الكريم هي عند الأوس والخزرج (الأنصار) حيث آمنوا به واستعدوا لنصرته إن هاجر إليهم، وفي ليلة الهجرة بات الصحابي الجليل علي بن أبي طالبـ رضي الله عنهـ في مكان نوم النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من تضحية عليـ رضي الله عنهـ فهو غلام ويعرض نفسه لهذا الخطر، وهذا يدل على قوة إيمان الصحابة وحبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته ووجد عند الباب جمع من فتيان قريش قد اجتمعوا ترصدا له حتى يقتلونه عندما يخرج ولكن أعماهم الله حماية لنبيه، قال تعالى: ?وَجَعَلْنَا مًن بَيْنً أَيْدًيهًمْ سَدّاً وَمًنْ خَلْفًهًمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصًرُونَ? [يسـ9].

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يسير من بينهم ويرمي على وجوههم بالتراب ويقول شاهت هذه الوجوه، سار النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر في هذه الهجرة المباركة وقد أعدت لهما أسماء بنت أبي بكر الراحلة والزاد وشقت نطاقها إلى نصفين بين الراحلتين فسميت بــ «ذات النطاقين»ـ رضي الله عنهاـ وكان والدها حريصا على الصحبة في هذه الهجرة ويقول: يا رسول الله الصحبة الصحبة، وقد نال شرفها وهو سباق إلى الخير من بداية إسلامه حتى وفاته رضي الله عنه، وفي الطريق اختبأ النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في غار ثور وهذا العمل يدل على أنه لا بد من بذل الأسباب الحسية الدنيوية مع الإيمان بأن الله على كل شيء قدير، فالرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من يحقق التوكل على الله ومع ذلك يختبئ حتى لا يراه العدو وهو يعلم أن الله سينصره عليهم وقد قيل أنهم عند بحثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وقفوا على الغار ولكن صرفهم الله عنه إذ لم يتيقنوا وجودهم فيه، ونجى الله نبيه من قريش وكيدهم ووصل إلى المدينة فكان فرح الأوس والخزرج به شديدا رضي الله عنهم، ونصروه وقدموا أموالهم وأنفسهم فداء لدين الله، نصروه عندما تخاذلت قبيلته قريش عن نصرته لذلك فالداعية يبحث عن النصرة لهذا الدين وهو لا يعلم هل تكون النصرة من قومه أو من غيرهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، نصر الله نبيه بهذه الهجرة المباركة، قال تعالى ?إًلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إًذْ أَخْرَجَهُ الَّذًينَ كَفَرُواْ ثَانًيَ اثْنَيْنً إًذْ هُمَا فًي الْغَارً إًذْ يَقُولُ لًصَاحًبًهً لاَ تَحْزَنْ إًنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكًينَتَهُ عَلَيْهً وَأَيَّدَهُ بًجُنُودي لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلًمَةَ الَّذًينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلًمَةُ اللّهً هًيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزًيزي حَكًيمي ? [التوبةـ40]، وأصبحت الهجرة مرحلة قوة للإسلام والمسلمين فبعدها حصلت الفتوحات وتم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة وارتفع صوت الحق وانهزم الباطل.


وللحديث بقية في العدد القادم بإذن الله.


عبد الرحمن بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 22/1/2007

جريدة الوطن