المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إذاعة القرآن... والقبر المقصود! { للشيخ دغش العجمي }


Musleem
08-11-2007, 05:57 AM
إذاعة القرآن... والقبر المقصود!


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فإن أعظم ما بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله هو دعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتحذيرهم من الشرك بأنواعه، قال الله تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [النحل- 36]، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى التوحيد وتحقيقه وحماية جنابه مما يخدشه فضلا عما يهدمه، ومن ذلك تحذيره من الفتنة بالقبور، سواء بالدعاء أو الصلاة عندها، أو شد الرحال لها، أو إسراجها، أو غير ذلك مما فيه تعظيم القبور كل هذه الأمور حرمها النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث، أما دعاء أصحابها والاستغاثة بهم لتفريج الكربات وإبراء العاهات فهذا الشرك الصراح الذي يهدم أصل الدين.


استمعت كما استمع غيري إلى إذاعة القرآن حيث تبث البرامج المختلفة والتي يحتوي بعضها على بدع ومخالفات تَشوه جمال الإسلام، من ذلك التبرك بالصالحين، وذكر القصص الخرافية، وتمجيد رموز الصوفية، ومن آخر ما سمعته مصادفة في برنامج (طريق الإيمان) الذي يذاع يوميا الساعة السابعة مساء وفيه أنشودة يقولون فيها في النبي صلى الله عليه وسلم (وقبرك المقصود) وقد أذيعت هذه الأنشودة أكثر من مرة [منها الخميس 30/11/2006م] ثم استمعت إليها أكثر من مرة بعد ذلك، وأظنها لا تزال تذاع.
وقولهم في قبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه (مقصود) لا يخلو من حالتين:

الأولى: قصده بالدعاء لما يُرجى من إجابته للدعاء، وهذا لا شك شرك ظاهر، لأن الدعاء عبادة والعبادة لا تصرف إلا لله عز وجل، يقول سبحانه (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون)، ويقول سبحانه (له دعوة الحق والذين لا يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال)، وقال سبحانه (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون)، وقال سبحانه (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين)، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا، لكن هذا المعنى لا نظن أنهم يريدونه.


الثاني: قصد القبر بشد الرحل إليه، لأنهم خصوا قبره دون ما سواه فقالوا «قبرك المقصود»، وهذا هو الأقرب في المعنى، وهذه بدعة من البدع المنتشرة قديما والتي كان يروجها الصوفية، وهذا الأمر مخالفة صريحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» [رواه البخاري2/60 رقم 1189، ومسلم 2/1014 رقم 1397، واللفظ عن أبي هريرة].
وهو من وسائل الشر التي تعظم بها القبور والمزارات، وقد وقف العلماء موقفا صارما من هذه المسألة فحذروا من هذه المخالفة، وسأكتفي بذكر أقوال علماء الكويت المباركين الذين لم تشنهم شائنة البدعة، ولم تداخلهم أهواء الأحزاب والفرق المختلفة، لعل الله ينفع القائمين على هذه الإذاعة بهذه النقول، ويدفعهم للعناية بأمر التوحيد والحذر والتحذير من الشرك ووسائله.


يقول الشيخ العلامة مؤرخ الكويت عبد العزيز الرشيد (ت 1356هـ ): «ويوجد كثير مثل هذا عند جم غفير من عوام المسلمين في تعظيم قبور الصالحين، وتقبيل تربتها تعظيما لمن فيها! وإن كانت زيارة القبور سنة للعبرة والاتعاظ، ولكن تجاوز جهلة المسلمين حد المشروع وارتكبوا المحذور، بل نجد كثيرا من المسلمين يقدمون زيارة قبور الصالحين- مع تحمل المشاق وكثرة الانفاق- على الحج الذي هو أحد أركان الإسلام!! ولهذا المحذور المذكور حرم الشرع الإسلامي البناء على قبور الصالحين، واتخاذ الصور والتماثيل ولعن فاعلها» [مجلة الكويت- 2/298].


ويقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن السند (ت 1397 هـ ) في «منسك مختصر»: «أما الدعاء عند قبر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم خاصة فبدعة، إذ لم يرد حرف واحد عنه صلى الله عليه وسلم أنه رغب الناس فيه، ولم يثبت أن أحدا من الصحابة رضي الله عنهم كان يتحرى الدعاء عند القبر خاصة، بل كانوا يسلمون ثم ينصرفون، فلو كان الدعاء عند القبر الشريف من المستحب لسبقنا إليه أولئك الكرام البررة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم من الأئمة الكرام رضي الله عنهم الذين مهما اجتهد الإنسان وشمر في الطاعة لن يأتي بأفضل مما أتوا به، ولن يعلم أكثر مما علموا، لقد كان الصحابة الذين هم أدرى بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم من غيرهم يقفون أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال حياته وبعد مماته ولم يثبت أن أحدا منهم وضع يديه على صدره تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم يعلمون أن فعل ذلك ينافي التوحيد الذي هداهم الله إليه على يدي هذا الرسول الكريم، فمن أين أخذ هؤلاء العامة هذا العمل الشنيع؟ فهل هم أعلم بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي بكر وعم وعثمان وعلي وسائر الصحابة الذين جادوا بأرواحهم وأموالهم في سبيل نصرته صلى الله عليه وسلم كلا وألف كلا، ولكنه الجهل يفعل هذا وأقبح من هذا.

أما زيارة مقابر المدينة وغيرها فعلى وجهين: زيارة شرعية وزيارة بدعية.
فالزيارة الشرعية: هي المقصود بها السلام على الميت والدعاء له والاعتبار فقط، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين إلخ، فينبغي للزائر إذا زار أهل البقيع ومن به من الصحابة أو غيرهم أو زار مقبرة شهداء احد أو غيرها من مقابر المسلمين هذه هي الزيارة الشرعية التي علمنا إياها محمد صلى الله عليه وسلم.
أما الزيارة البدعية المحرمة فهي: أن يكون مقصود الزائر طلب حوائجه من الميت أو يقصد الصلاة أو الدعاء عند قبره أو يقصد التمسح بما على القبور من حجر أو خشب أو نحوه فهذا كله بدعة وضلال فليتنبه المسلم، ولا يعمل إلا بما شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم».

«ضعف الأحاديث الواردة في زيارة قبر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم»
أما ما روي من أحاديث ترغب في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم مثل «من زار قبري وجبت له شفاعتي»، ومثل «من حج ولم يزرني فقد جفاني»، ومثل حديث «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي»، و «من زارني بعد مماتي حلت له شفاعتي»، ونحو ذلك من الأحاديث فهي كلها ضعيفة بل بعضها موضوع ولا يوجد لها ذكر في شيء من كتب السنة التي يعتمد عليها، ولا نقلها إمام ن أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة ونحوهم، فيجب على المسلم ألا يعتمد على أمثال هذه الأحاديث بل يصلى ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم حيثما كان، لقوله صلى الله عليه وسلم «لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني»، قال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور» أ. هـ رحمه الله [منسك مختصر في أحكام الحج والعمرة للشيخ عبد الله السند].

وقال رحمه الله - بعد بيانه لرغبة كثير من الناس زيارة المسجد النبوي بعد أو قبل أداء فريضة الحج- «فزيارة المسجد النبوي للصلاة فيه مستحبة، فالقصد من الزيارة وشد الرحال إلى المدينة هو المسجد النبوي، أما القبر الشريف فلا يجوز قصده بسفر ولا شد الرحال إليه؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن ذلك كما نهانا أن نتخذ قبره عيدا نعتاد زيارته في أوقات معينة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .... »وقد جاء عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال ألا أحدثكم حديثا عن أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» فالرسول نهانا بهذا الحديث أن نجعل قبره عيدا نعتاده في وقت معين، وقد خص الله نبيه من دون الناس بأن صلاة المصلى عليه وسلامه يبلغه ولو لم يكن المسلم عند قبره أو في المدينة، فالزيارة» إذا ليست واجبة وليست من لوازم الحج كما يظنه البعض من الناس، وقد شاع وذاع بين العوام من الناس أحاديث في زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ظنوها أحاديث صحيحة فهم لذلك يتكبدون المشارق في الزيارة [ذكرى ديوان خطب منبرية دينية عصرية].

والإطالة في هذه المسألة ليس هذا موضعها وقد بينت موقف علماء الكويت من هذه المسألة في "أمراء وعلماء الكويت على عقيدة السلف" في طبعته الثانية.
هذا ما أحببت أن أنبه إليه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

دغش بن شبيب العجمي

تاريخ النشر: الاثنين 15/1/2007

جريدة