المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحد الفاصل بين الجهاد والفوضى { للشيخ د. حمد العثمان }


أبو عبدالرحمن
08-11-2007, 04:53 AM
الحد الفاصل بين الجهاد والفوضى

كتب:د.حمد بن إبراهيم العثمان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فان المسلم ليحزن اذا رأى قيادات غير حكيمة تسوق المسلمين الى ما فيه ضررهم وتلفهم، وأمر الجهاد ليس بالأمر اليسير حتى يناور فيه الانسان على سبيل تخمين ردة فعل العدو، لأن الجهاد فيه تعريض النفوس والأموال للتلف، وتمكين العدو من اراضي المسلمين وانتهاك حرماتهم ومقدساتهم ولذلك جعل الله أمر الجهاد وما يتعلق بأمن المسلمين ومصالحهم العامة لولي الأمر مع مشورة اهل الحكمة والخبرة والاختصاص، قال تعالى (واذا جاءهم امر من الأمن أو الخوف اذاعوا به ولو ردوه الى الرسول والى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (النساء: 83)، قال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله: «هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وانه ينبغي لهم اذا جاءهم امر من الامور المهمة، والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن، وسرور المؤمنين، او بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، ان يتثبتوا ولا يستعجلوا باشاعة ذلك الخبر، بل يردونه الى الرسول، والى اولي الامر منهم، اهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الامور ويعرفون المصالح وضدها» تيسير الكريم الرحمن ص.190
فلهذا ليس من الرأي السديد ولا من الجهاد في شيء ان نأسر رجلا واحدا من العدو ونقتل مثله ونحن ضعفاء، فيقوم العدو باحتلال مزيد من الاراضي ويقتل اضعافا كثيرة من المسلمين، ويبث الخوف والرعب ويشفي غله بأضعاف ما حصل له، ويحاصر المسلمين في مكان محدود ويقطع عنهم الماء والكهرباء، ونحن عاجزون عن دفع الضر عن أنفسنا، فضلا عن الحاق الاذى بالعدو، لذلك قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: «الواجب ان يعتبر في امور الجهاد برأي اهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين» طريق الوصول ص .138
وكذلك من الظلم ان تقوم ميليشيا حزبية خارجة عن طاعة الحاكم بمبادرة العدو للقتال فتجلب للبلاد حربا لم يخترها حاكمها ولا شعبها، فهذا من اسباب الفوضى وتضييع بلاد المسلمين، وبهذا تظهر حكمة الله في جعل سياسة الجهاد والحرب لولي الامر، قال الحسن البصري رحمه الله: «اربع من امر الاسلام الى السلطان: الحكم، والفيء، والجهاد، والجمعة» مسائل الامام احمد رواية الكرماني ص.392
وقال شيخنا العلامة محمد العثيمين رحمه الله: «لو جاز للناس ان يغزوا بدون اذن الامام لاصبحت المسألة فوضى، كل من شاء ركب فرسه وغزا، ولأنه لو مكن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة، فقد تتجهز طائفة من الناس على انهم يريدون العدو، وهم يريدون الخروج على الامام، او يريدون البغي على طائفة من الناس» كما قال الله تعالى (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) (الحجرات: 9)، فلهذه الامور الثلاثة ولغيرها ايضا لا يجوز الغزو الا باذن الامام، الشرح الممتنع (26ـ25/8).

الجهاد تابع للمصلحة وشرطه القدرة

لا شك ان سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد واضحة، فتارة يقاتل مع القدرة، وتارة يهادن مع عدم القدرة، لذلك من القواعد الكبيرة في مسائل الجهاد هو ان الجهاد تابع للمصلحة، قال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله: «والحهاد باليد والسلاح يتبع المصلحة، فعلى المسلمين ان يسلكوا هديه ويتشاوروا في امرهم، ويعملوا في كل وقت ما يناسبه ويصلح له»، فتح الرحيم ص .131
وقد نص العلماء على انه لا اثم في عدم الجهاد مع عدم الاستطاعة، قال تعالى(فاتقوا الله ما استطعتم). قال العلامة محمد بن علي الكرجي«فمن لم يطق الجهاد بالنفس والمال، وآمن به ورآه حقا فهو من اهله، وليس عليه غيره، نكت القرآن(187/4).
فتأمل قوله «ليس عليه غيره» فهذا والله دين الاسلام الذي يعرفه الخاص والعام كما قال تعالى (لا يكلف الله نفسا الا وسعها).وكذلك قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «ومن ترك الجهاد مع قدرته عليه ذل»، الحكم الجديرة بالاذاعة ص4 فتأمل القيد والشرط الذي يذكره كل العلماء «مع قدرته عليه» وكرر ذلك ابن رجب ايضا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم زيادة في التوضيح والتوكيد فقال:« فمن ترك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد مع قدرته عليه واشتغل عنه بتحصيل الدنيا من وجوهها المباحة حصل له الذل» الحكم الجديرة ص 41 فتأمل قوله«من الجهاد مع قدرته عليه»، فهذا مما لا يختلف فيه المسلمون.


مقصود الجهاد إقامة الدين وحفظ النفوس لا إفنائها.

مقصود الجهاد هو ان تكون كلمة الله هي العليا وان يحفظ دين المسلمين وان تحفظ ارواحهم فهذا الذي تبذل فيه المهج، اما ان نقتل عددا محدودا جدا من العدو يوجب غضبهم وتشفيهم وظهورهم علينا وسفك دمائنا وإتلاف اموالنا ومقدراتنا فهذا انتحار، ولا تأتي به شريعة قط، قال العز بن عبدالسلام رحمه الله: «ان اي قتال للكفار لا تتحقق به نكاية للعدو فانه يجب تركه، لان المخاطرة بالنفوس إنما جازت لما فيها من مصلحة إعزاز الدين، والنكاية بالمشركين، فاذا لم يحصل ذلك وجب ترك القتال لما فيه من موات النفوس، وشفاء صدور الكفار وارغام اهل الاسلام، وبذا مفسدة محضة وليس في طيها مصلحة»، قواعد الاحكام ص .95

النجاة من العدو فتح

مع الضعف وعدم القدرة لا يعيب المسلم ان يتحرى السلامة من عدوه، فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه لما رأى ما نزل بجيش المسلمين من القتل في غزوة مؤتة رجع بالجيش طلبا لحفظ دماء المسلمين والسلامة من العدو، قال والدنا العلامة محمد العثيمين رحمه الله «والتخلص من العدو يسمى نصرا وفتحا وغلبة» ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة حين كانت الراية مع زيد بن حارثة ثم كانت مع جعفر بن ابي طالب، ثم كانت مع عبدالله بن رواحة ، وكلهم قتلوا رضي الله عنهم، قال: «ثم أخذها خالد ففتح الله على يديه».
وخالد رضي الله عنه لم ينتصر على الروم ولم يغلبهم، ولكن نجا منهم، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه النجاة فتحا» تفسير سورة الصافات ص 267 - .268

الحل وكيف ننتصر على عدونا؟

لا بد مع ذكر احوالنا، ونقدنا للتصرفات غير الحكيمة، ان نذكر الحل لاوضاعنا الحالية حتى لا نكون مجرد منظرين، فظهور العدو خصوصا ارذل الاعداء اليهود انما هو بسبب ذنوبنا، والله ذكر شرط النصر في قوله تعالى «ان تنصروا الله ينصركم»، وذكر الله ان معية النصر للمتقين والمحسنين، قال تعالى «ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون»، وقال تعالى «أليس الله بكاف عبده»، قال ابن القيم: «الكفاية على قدر العبودية»، فلذلك ينبغي علينا ان نحقق العبودية التي تجلب النصر، وهذه تكون مع صحة الاعتقاد، وملازمة السنة ومجانبة البدعة، وتحقيق الطاعة فإذا صدقت قلوبنا وارتفعت ايدينا بالدعاء كفانا الله اعداءنا، قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: «القلوب الصادقة والادعية الصالحة هي العسكر الذي لا يغلب».
وقال العلامة محمد الامين الشنقيطي رحمه الله: «المشكلة الاولى: هي ضعف المسلمين في اقطار الدنيا في العدد والعُدد عن مقاومة الكفار، وقد هدى القرآن العظيم الى حل هذه المشكلة بأقوم الطرق واعدلها: فبين ان علاج الضعف عن مقاومة الكفار انما هو بصدق التوجه الى الله تعالى، وقوة الايمان والتوكل عليه، لأن الله قوي عزيز، قاهر لكل شيء، فمن كان من حزبه على الحقيقة لا يمكن ان يغلبه الكفار، ولو بلغوا من القوة ما بلغوا. فمن الادلة المبينة لذلك ان الكفار «ضربوا على المسلمين ذلك الحصار العسكري العظيم في غزوة الاحزاب المذكورة في قوله تعالى «اذ جاؤوكم من فوقكم ومن اسفل منكم واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا».. الى ان قال «الايمان والاخلاص كان من نتائج ذلك ما ذكره الله جل وعلا في قوله «واخرى لم تقدروا عليها قد احاط الله بها، وكان الله على كل شيء قديرا» فصرح جل وعلا في هذه الآية بأنهم لم يقدروا عليها، وان الله جل وعلا احاط بها فأقدرهم عليها، وذلك من نتائج قوة ايمانهم وشدة اخلاصهم.
فدلت الآية الكريمة على ان الاخلاص لله وقوة الايمان به، هو السبب لقدرة الضعيف على القوي وغلبته له، «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين»، وقوله في هذه الآية «لم تقدروا عليها» فعل في سياق النفي، والفعل في سياق النفي من صيغ العموم على التحقيق.

فقوله «لم تقدروا عليها» في معنى لا قدرة لكم عليها، وهذا يعم سلب جميع انواع القدرة، لأن النكرة في سياق النفي تدل على عموم السلب وشموله لجميع الافراد الداخلة تحت العنوان، كما هو معروف في محله. وبهذا تعلم ان جميع انواع القدرة عليها مسلوب عنهم، ولكن الله جل وعلا احاط بها فأقدرهم عليها، لما علم من الايمان والاخلاص في قلوبهم «وان جندنا لهم الغالبون». اضواء البيان (412/3 - 414). وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، ورزق الله قادة المسلمين الحكمة والرأي السديد، وكفى الله المؤمنين شرور اليهود واعوانهم.
والحمد لله رب العالمين.

تاريخ النشر: الاثنين 17/7/2006 جريدة الوطن