المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإصلاح وتزاحم المفاسد { د. حمد العثمان }


أبو عبدالرحمن
08-11-2007, 03:53 AM
شعار الإصلاح شعار أُفسد معناه في نفوس الناس في غمرة العراك السياسي

الإصلاح وتزاحم المفاسد

كتب:د.حمد بن إبراهيم العثمان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فمع فورة الانتخابات وغلبة الهوى على النفوس الا ما شاء الله، وانسياق الناس وراء رموزهم لم تكن تجدي النصيحة او يقع اثرها في الناس موقعا كما ينبغي، لذلك يسع الانسان السكوت الى ان ترتفع الغشاوة التي على الابصار ويعود الى النفس هدوؤها ورشدها فحينئذ قد يجدي الكلام.

وهذا التأصيل استعمله سلفنا الصالح رحمهم الله، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أسفت وندمت على خروجها الى فتنة الجمل، مع انها رضي الله عنها خرجت متأولة لاصلاح ذات بين الصحابة رضي الله عنهم، وتمنت لو ان احدا من خيار الصحابة وعظها قبل خروجها، فقد قالت ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها لعبدالله بن عمر رضي الله عنهما «ما منعك ان تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلا قد استولى عليك، وظننت انك لن تخالفيه، يعني: ابن الزبير» سير أعلام النبلاء (211/3).

شعار الاصلاح شعار أُفسد معناه في نفوس الناس في غمرة العراك السياسي خلال الشهرين الماضيين، وهذا من اسوأ افرازات المرحلة الماضية، ذلك ان المعروف صار منكرا او غريبا، وتم تهميش، بل قل: ركن مفهوم الاصلاح وراء الظهور، وتقديم مفهوم ضيق محدود جدا على انه الاصلاح الحقيقي، وانه طريق النجاة والخلاص من كل الفساد الذي نعانيه، والناس كأسراب طير يتبع بعضهم بعضا، فتغيرت المفاهيم الحقيقية واستُبدلت في فترة وجيزة اعان على تحقيق هذا الاختزال في فترة وجيزة جدا انسياق اهل الدين ومن يتوسم فيهم الخير، والسير على منهج واضح رشيد خلف اصحاب المناهج المضادة للدين والشريعة.

وكم تمنيت انا وغيري ونحن نشاهد الركض السريع من السياسيين الاسلاميين وراء حملة لواء تغيير مفهوم الاصلاح، لو ان اهل الدين رفعوا لواء الاصلاح الحقيقي الذي بُعثت به الرسل، ولا سيما انهم اكثرية وهم اصحاب الحق وصانوا الناس عن ان تتغير فطرهم وعقائدهم.

استذكار سيناريو الايام الماضية يحكي حقيقة خطر مفهوم الاصلاح الذي قدمه القوم فقد ركنوا العقيدة بل قل هدموها في نفوس الناس، وألغوا الفارق بين من يدعو الى الله على بصيرة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مع من يريد اقصاء شرع الله وحكمه واستبداله بالنهج الغربي، والتسوية بين من يريد المحافظة على ثوابت الامة في دينها.

خصوصا في عقيدتها واخلاقها بمن يدعو الى حرية الاديان ولو بانتحال المجوسية والهندوسية، ولبس ما شاء الناس من الثياب، وامتزاج الرجال بالنساء واختلاطهم مع كشف ما اوجب الله ستره هذه بعض المفاسد التي ارتكبها القوم، ومن أعظمها كذلك التثبيط على ولاة الأمر، من اجل دفع مفاسد عظيمة في تصورهم هي أولويات على كل ما سبق في مقدمتها محاربة الرشوة والطائفية والقبلية، ونقل الأصوات.

وغدت الصورة مشوهة في ميزانهم الجائر، فالمفسد لعقائد المسلمين واخلاقهم، وهو جماع كل شر مصلح لانه يحارب الرشوة ونقل الأصوات، مع ان كثيراً منهم امسك عن الكلام في المرتشين وأغمض عينيه عن ذلك فيما يوافق هواه كما حصل في مشروع التصويت على حقوق المرأة السياسية، وبعضهم مارس نقل الأصوات في الانتخابات السابقة.

ومن هنا يظهر حقيقةً ان القوم اساؤوا تطبيق قاعدة المصالح والمفاسد، وهذا لا شك بسبب نقص علمهم الشرعي، واجزم ايضا بسبب عدم مشاورة كبار العلماء في كبرى مواقفهم السياسية.

قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: «تفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الافعال من المصالح الشرعية والمفاسد بحيث تعرف ما مراتب المعروف ومراتب المنكر حتى تقدم اهمها عند الازدحام، فان هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، فان التمييز بين جنس المعروف وجنس المنكر او جنس الدليل وغير الدليل يتيسر كثيرا.

فأما مراتب المعروف والمنكر ومراتب الدليل، بحيث يقدم عند التزاحم اعرف المعروفين وينكر انكر المنكرين، ويرجح اقوى الدليلين ، فانه خاصة العلماء بهذا الدين».

فالمسلم الذي عنده تقصير في دينه وأصاب شيئا من المعاصي، خير من الذي يريد لدين الغرب السيادة وهو حصر الدين في المسجد فقط وإعمال حياة الغرب في كل ما سوى ذلك، حتى في أبضاع نساء المسلمين بدعوى الحرية الشخصية، مع ان مثل هذا العادة الجارية ان فساد عقيدته وفطرته ستؤول الى فساد امانته الا ما شاء الله، فمن خان العقيدة فلا يؤتمن على ما هو دونها.

وكلام السلف في ذلك كثير، قال أرطأة بن المنذر «لأن يكون لي ابن فاسق من الفساق، احب اليّ من ان يكون صاحب هوى» مختصر الحجة على تارك المحجة (286/1).

وقال يونس بن عبيد لابنه: «أنهاك عن الزنى والسرقة وشرب الخمر، ولأن تلقى الله بهن أحب اليَّ من ان تلقاه برأي عمرو بن عبيد واصحابه - يعني المعتزلة» سير اعلام النبلاء (294/6).

وهذه مسألة اجماع، قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: «ان اهل البدع شر من اهل المعاصي الشهوانية بالسنة والاجماع».

كما انه لا بد من التنبيه الى الزلل الواقع بسبب استخدام القوم لاصطلاحات مجملة من ذلك مصطلح «القبلية»، فلا بد من التذكير بأن الشريعة لم تأت لإلغاء القبيلة، بل جاءت لترشيدها، قال النبي صلى الله عليه وسلم «خير قبائل العرب مزينة وجهينة» رواه البخاري، وقال ايضا عليه السلام «أشد أمتي على الدجال بنو تميم» رواه البخاري، والشرع جاء بإقرار تناصر وتعاضد القبيلة بالمعروف، من ذلك ايجاب دية القاتل على العاقلة، وهم قرابة الميت، فتشاور خيار القبيلة لاختيار افضلهم هذا لا شيء فيه اذا كان اختيارا شرعيا صحيحا.

كذلك مصطلح «الطائفية» ان اريد به المعنى المذموم من التعصب الاعمى والتقليد الممقوت وعدم الاعذار بالخطأ أو الجهل أو التأويل فهذا لا شك في فساده؟ وان اريد به حراسة السنة والذب عنها ورد البدع والضلالات فهذا محمود، وهو دين الله الذي تعبدنا به.
فالحاصل ان القوم يجب ان يردوا ما تنازعوا فيه الى الله، قال تعالى (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الى الله) وفق الله الجميع للزوم شرع الله، والحمدلله رب العالمين.ـ

تاريخ النشر: الاثنين 3/7/2006

جريدة الوطن