المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دروس من الحج


أحمد
01-15-2005, 07:34 PM
دروس من الحج
عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد
مقدمة..

الحمد لله رب العالمين والصلاة على خير النبيين وإمام المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وأما بعد : فإن الحج مدرسة إيمانية عظيمة ، يتلقى فيه المسلمون الدروس العظيمة والفوائد الجليلة والعبر النافعة في شتى المجالات ، وفي جميع أبواب الدين " العقائد والعبادات والسلوك.." ويتفاوتون في قوة تحصيلها وحسن اكتسابها تفاوتاً عظيماً بين مقل ومستكثر ، والتوفيق بيد الله وحده .


ولذا رأيت أن من المفيد استخلاص جملة من الدروس العظيمة المستفادة في الحج والمتعلقة بجانب الاعتقاد خاصة ، إذ هو الأساس والأصل الذي تبنى عليالأعمال ، ويقوم عليه الدين كله ، وهي مجرد إشارة إلى بعض الدروس المستفادة فيه ، وإلا فإن ما يستفاد فيه من دروس وفوائد أمر يفوق الحصر ، ولا يبلغه العد .

وقد بلغ عدد هذه الدروس المستخلصة هنا ثلاثة عشر درساً راعيت أن تكون متجانسة في حجمها وطريقة طرحها ، والله أسال أن ينفع بهذا الجهد وأن يتقبله بقبول حسن أنه نعم المجيب .


الأول : بيان أن الحج مدرسة عظيمة..

لا ريب أن الحج من أفضل الطاعات وأجلّ القربات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه تعالى...
بل هو عبادة من العبادات التي افترضها الله وجعلها إحدى الدعائم الخمس التي يرتكز عليها الدين الإسلامي الحنيف، والتي بيّنها رسول الله بقوله في الحديث الصحيح: « بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا اله الا الله وأن محمداً الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت »

وثبت عنه في أحاديث كثيرة ترغيب أمته في الحج وحثهم على هذه الطاعه العظيمة ، وبيّن لهم ما يغنمونه في الحج من أجور عظيمة وثواب جزيل وغفران للذنوب.

روى مسلم في صحيحه أن النبي قال لعمرو بن العاص رضي الله عنه عند إسلامه « أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله ؟ »

وروى الشيخان من حديث أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم« من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه » وروى مسلم من حديث هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله « العمرة الى العمرة كفارة لما بينهما... والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنّة »

وقد حج صلوات الله وسلامه عليه بالناس -في السنة العاشرة من الهجرة النبوية- حجته التي رسم فيها لأمته عملياً كيفية أداء هذه الفريضة العظيمة...
وحث على تلقي كل ما يصدر منه.. من أعمال وأقوال... فقال: « خذوا عني مناسككم فلعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا »
فسميت حجة الوداع وفيها نزل على رسول الله قول الله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا }

إنّ الواجب على كل مسلم قدم لأداء هذه الطاعة العظيمة أن يجتهد تمام الإجتهاد في معرفة هدي النبي في الحج وكيفية أدائه لمناسكه ليسلك منهجه وليسير على طريقة وليقتفي أثرة وليأخذ عنه مناسكه ، وليتأتى له بذلك.. الإتيان بالحج على التمام والكمال، إذ لا كمال في هذه الطاعة وفي غيرها من الطاعات إلا بالاقتفاء لآثار الرسول الكريم والسير على منهاجه...

لا ريب أن كل مسلم على وجه الأرض تتحرك نفسه في هذه الأيام المباركه شوقاً لأداء هذه الطاعة العظيمة، وطمعا في تحقيق هذا النسك الجليل ومحبة لرؤية بيت الله العتيق إذ أن المسلمين جميعهم صلتهم ببيت الله الحرام وثيقة...
وهي تنشأ منذ بدء انتماء المسلم لدين الإسلام وتستمر معه ما بقيت روحه في جسده...
فالصبي الذي يولد في الإسلام.. أول شئ يطرق سمعه من فرائض الإسلام أركانه الخمسة التى أحدها حج بيت الله الحرام...
والكافر إذا أسلم وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله... أول ما يوجه إليه من فرائض الإسلام بقية أركانه بعد الشهادتين وهي: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام وأول أركان الإسلام بعد الشهادتين: الصلوات الخمس التي افترضها الله على عبادة في كل يوم وليلة وجعل استقبال بيته الحرام شرطاً من شروطها...
قال الله نعالى { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره }

فصلة المسلم ببيت الله الحرام مستمرة في كل يوم وليلة يستقبله مع القدرة في كل صلاة يصليها فريضة كانت أو نافلة كما يستقبله في الدعاء..
ولهذا فإن هذه الصلة الوثيقة التي حصل بها هذا الإرتباط بين قلب المسلم وبيت ربه... بصفة مستمرة تدفع بالمسلم -ولا بد- إلى الرغبة الملحّة في التوجه إلى ذلك البيت العتيق ليمتع بصره بالنظر إليه وليؤدي الحج الذى افترضه الله عليه إذا استطاع إليه سبيلا...

فالمسلم متى استطاع الحج بادر إليه أداء لهذه الفريضة ورغبة في مشاهدة البيت الذى يستقبله في جميع صلواته.. { فيه آيات بينات مقام إبراهيم } [آل عمران: 97]

ولهذا فإنّ الواجب عليك أخي الحاج أن تحمد الله كثيرا على نعمته العظيمة عليك، بالتوفيق لإداء هذه الطاعة، والقدوم لتحقيق هذه العبادة، والتشرف برؤية بيت الله العتيق.. قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن تجتهد في تكميل أعمال الحج على أحسن وجه وأكمل حال دون إخلال أو تقصير ودون إفراط أو تفريط...
بل تكون على هدي قاصد وطريق مستقيم متبعا في ذلك رسولك الكريم تبتغي بعملك هذا مرضاة ربك ،ونيل ثوابه ،ومغفرة الذنوب ، ولتعود إلى بلادك بعد هذه الرحلة المباركة وذنبك مغفور ، وسعيك مشكور ، وعملك صالح متقبل مبرور ، بحياة جديدة صالحه مليئة بالإيمان والإجتهاد في طاعة الله.

إنّ الحج فرصة عظيمة للتزود فيه من زاد الاخرة بالتوبة إلى الله والإنابة إليه والإقبال علي طاعته والسعي في مرضاته...
ومن خلال الحج ومناسكه يتهيأ للحاج فرص كثيرة لتلقّي الدروس النافعة والعبر المؤثرة والفوائد الجليلة والثمار الكريمة اليانعة في العقيدة والعبادة والأخلاق.. بدءا بأول عمل من أعمال الحج يقوم به العبد في الميقات وانتهاء بآخر عمل من أعمال الحج بطواف سبعة أشواط يودع فيها الحاج بيت الله الحرام ،وهو بصدق مدرسة تربوية إيمانية عظيمة.. يتخرّج فيها المؤمنون المتّقون...
فيشهدون في حجّهم المنافع العظيمة والدروس المتنوعة والعظات المؤثرة، فتحيى بذلك القلوب ويتقى الإيمان ،يقول الله تعالى : { وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق.. ليشهدوا منافع لهم... }
ومنافع الحج لا تحصى.. وفوائده لا تستقصى ، وعبره ودروسه المستفادة منه لا يحاط بها، وسوف نقف بإذن الله تعالى من خلال هذه الرسالة على جملة طيبة ومجموعة نافعة من الدروس العظيمة والمنافع الجليلة المسفادة من حج بيت الله الحرام، وبالله وحده التوفيق.


الثاني : في بيان جملة من منافع الحج

تقدم الكلام على فضل الحج ورفعة مكانته وأنه من أجل العبادات وأعظم القربات وأنه ركن من أركان الإسلام العظيمة وأساس من أسسه المتينة التي بها يقوم وعليها بنبني وتقدم الإشارة إلى الحج فيه من الفوائد والمنافع الدينية والدنيوية ما لا يحصيه المحصون ولا يقدر على عده العادون وفي ذلك يقول الله تعالى في القران الكريم { وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذرهم وليطوفوا بالبيت العتيق }
فالحج مليء بالمنافع العظيمة الدينية والدنيوية واللام في قوله تعالى { ليشهدوا منافع لهم } هي لام التعليل وهي متعلقة بقوله تعالى { وأذّن في الحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر } الآية أي : أن تؤذن فيهم بالحج يأتوك مشاة وركباناً لأجل أن يشهدوا أي يحضروا منافع لهم والمراد بحضورهم المنافع حصرهم لهم 0
وقوله تعالى في الآية { منافع } هو جمع منفعة ونكر المنافع لأنه أراد مختصة بهذا العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات مجتمعة 0

روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى { ليشهدوا منافع لهم } قال : " منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة فأما منافع الآخرة فرضوان الله عزوجل وأما منافع الدنيا فما يصيبون من لحوم البدن في ذلك والذبائح والتجارات "
وروى عبد الرزاق عن مجاهد رحمه الله في قوله تعالى { ليشهدوا منافع لهم } قال : " التجارة وما أرضى الله من أمر الدنيا والآخرة "
وروى ابن جرير الطبري في تفسيره عن مجاهد رحمه الله : { ليشهدوا منافع لهم } قال: " الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا "
فالمنافع التي يحصلها الحجيج ويجنونها في حجهم لبيت الله الحرام عديدة ومتنوعة


منافع دينيه من العبادات الفاضلة والطاعات الجليلة التي لا تكون إلا فيه .


ومنافع دنيوية من التكسب وحصول الأرباح الدنيوية ،كما قال تعالى في سياق آيات الحج من سورة البقرة : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم }

روى أبو داود وغيرة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :(كانوا يتقنون البيوع والتجارة في الموسم والحج يقولون :أيام ذكر ،فانزل الله (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم )
وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية انه قال: " لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده".. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم }.. أنه ليس على الحاج إثم ولا حرج إذا ابتغى ربحا بتجارة في أيام الحج إن كان ذلك لا يشغله عن شيء من أداء مناسكه .

ومن المنافع الدنيوية أيضا للحجاج ما يصيبونه من البدن والذبائح كما قال تعالى : { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق } إلا أنّ ما يحصله الحاج من منافع دينيه في حجه لا تقارن بهذه المنافع الدنيوية إذ في الحج من الأجور العظيمة والثواب الجزيل ومغفرة الذنوب وتكفير السيئات وغيرة ذلك مما لا يحصى من الفوائد الدينية العظيمة التي ينالها الحاج إن كان متقيا لله في حجه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وأي خير أعظم وأي ربح اجل من أن يخرج الحاج من حجه كيوم ولدته أمه بلا إثم ولا خطيئة كما قال الله تعالى: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى } وقد اختار ابن جرير في تفسيره لهذه الآية بعد أن ذكر أقوال أهل العلم في معناها أن المراد "فمن تعجل في يومين من أيام منى الثلاثة فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه لحط الله ذنوبه إن كان قد اتقى الله في حجه فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه وفعل فيه ما أمره الله بفعله وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدود ومن تأخر إلى الثالث فلا إ ثم عليه لتكفير الله ما سلف من آثامه وإجرامه إن كان اتقي الله في حجه بأدائه بحدوده "
ثم ذكر رحمه الله تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » وقوله صلى الله عليه وسلم: « الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة » وقوله صلى الله عليه وسلم: « تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد »
فهذه النصوص تدل على أن من حج فقضاه بحدوده على ما أمره الله فهو خارج من ذنوبه كما قال جل وعلا : { فلا إثم عليه لمن اتقى } أي : اتقى الله في حجه بفعل الأوامر واجتناب النواهي ولا ريب أن هذه فضيلة عظيمة ومنفعة جليلة تسارع في نيلها المؤمنة وتطمع في تحصيلها النفوس الصادقة فلله ما أجلها من فضيلة وأعظمها من منفعة عندما ينقلب الحاج إلى بلده بعد قضائه لحجه وذنبه مغفور قد خرج من ذنوبه وآثامه طاهراً نقياً كيوم ولدته أمه ليس عليه ذنب ولا خطيئة إذا كان متقياً ربه في حجه..
بل إنّ الرب سبحانه من عظيم كرمه وجميل إحسانه بعباده الحجيج يباهي ملائكته بحجاج بيته الحرام عندما يقفون جميعهم على صعيد عرفة ويقول « انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاحين من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم »

وبهذا يتبين أنّ الحاج يعود من حجه بأكبر ربح وأعظم غنيمة ألا وهي مغفرة ربه لذنبه، فيبدأ بعد الحج حياة جديدة صالحة مليئة بالإيمان والتقوى عامرة بالخير والاستقامة والمحافظة على الطاعة إلا أن حصول هذا الأجر مشروط كما تقدم بأن يأتي بالحج على وجه صحيح بإخلاص وصدق وتوبة نصوح مع مجانبةِ لما يخل به من رفث وفسوق فإذا كان كذلك جب ما قبله وخرج الحاج بتلك الحال الرائعة كيوم ولدته أمه بلا إثم ولا خطيئة 0

الثالث : الدلالات العقدية في الإهلال بالتوحيد

إنّ من أجلّ الدروس العظيمة التي يفيدها المسلم في حجه لبيت الله الحرام وجوب إخلاص العبادات كلها لله وحده لا شريك له فالمسلم يبدأ حجه أول ما يبدأ بإعلان التوحيد ونبذ الشرك قائلاً (( لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك )) يقولها ويرفع بها صوته وهو في الوقت نفسه مستشعر ما دلت عليه من وجوب إفراد الله وحده بالعبادة والبعد عن الشرك فكلما أن الله متفرد بالنعمة والعطاء لا شريك له فهو متفرد بالتوحيد لا ند له فلا يدعى إلا الله ولا يتوكل إلا على الله ولا يستغاث إلا به ولا يصرف أي نوع من أنواع العبادة إلا له وكما أن العبد مطالب بقصد الله وحده في الحج فهو مطالب بقصده وحده في كل عبادة يأتيها وكل طاعة يتقرب بها فمن صرف شيئاً من العبادة لغير الله أشرك بالله العظيم وخسر الخسران المبين وحبط عمله ولم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً لقد جاء الإسلام بهذا الإهلال العظيم الإهلال بتوحيد الله وإخلاص الدين له والبعد عن الشرك كله صغيرة وكبيرة دقيقة وجليله بينما كان المشركون عباد الأصنام والأوثان يهلون في إحرامهم بالحج بالشرك والتنديد، فكانوا يقولون في تلبيتهم (( لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك )) فيدخلون مع الله في التلبية آلهتهم الباطلة، ويجعلون ملكها بيده وهذا هو معنى قول الله عنهم في القران الكريم { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }
أي ما يؤمن أكثرهم بالله بأنه الخالق الرازق المدبر إلا وهم مشركون معه في العبادة أوثاناً لا تملك شيئاً وأصناماً لا تنفع ولا تضر ولا تعطي ولا تمنع بل لا تملك من ذلك شيئاً لنفسها فضلاً عن أن تملكه لغيرها 0
روى ابن جرير الطبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال " من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال ؟ قالوا : الله، وهم مشركون "
وعن عكرمة أنه قال " تسألهم من خلقهم ومن خلق السماوات والأرض فيقولون : الله فذلك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره "
وعن مجاهد قال " إيمانهم قولهم : الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره "
وعن ابن زيد قال " ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أ ن الله ربه وأن الله خالقه ورازقه وهو يشرك به ألا ترى كيف قال إبراهيم { أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين }
أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون قال : فليس أحد يشرك إلا وهو مؤمن به ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول : لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك ،المشركون كانوا يقولون هذا ))

لقد كان المشركون كون زمن النبي صلى الله عليه وسلم يقرّون بأن خالقهم ورازقهم ومدبر شؤونهم هو الله ثم هم مع هذا الإقرار لا يخلصون الدين له بل يشركون معه غيره في العبادة من الأشجار والأحجار والأصنام وغيرهم وقد جلى الله هذا الأمر وبينه في مواطن كثيرة من القران الكريم كقوله سبحانه { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنئ يؤفكون }

قال الحافظ ابن كثير رحمة الله في تفسيره " يقول تعالى مقرراً أنه لا اله إلا هو ،لأن المشركين الذين معه غيره معترفون أنه المستقبل بخلق السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم واختلافها واختلاف أرزاقهم ففاوت بينهم فمنهم الغني والفقير وهو العليم بما يصلح كلا منهم، ومن يستحق الغني فمن يستحق الفقر ، فذكر أنه المستبد بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها ،فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره ؟ ولم يتوكل على غيره ؟ فكما انه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته وكثيراً ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إ لا شريكاً هو لك تملكه وما ملك "

وهذا المعني يكثر في القران الكريم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبية الله جل وعلا على وجوب توحيده في عبادته وإخلاص الدين له ، ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية والتقرير فإذا أقروا بربو بيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده ووبّخهم منكراً عليهم شركهم به غيره مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده لأن من اعترف بأنه الرب وحده لزمه أن يخلص العبادة كلها له وبهذا يتبين أن الاعتراف بأن الله هو الخالق الرازق المنعم المتصرف المدبر لشؤون الخلق لا يكفي في التوحيد ولا ينجي من عذاب الله يوم القيامة ما لم تخلص العبادة كلها لله وحده فالله لا يقبل من عبادة توحيدهم له في الربوبية إلا إذا أفردوه بتوحيد العبادة فلا يتخذون له ندا ولا يدعون معه أحداً ولا يتوكلون إلا علية ولا يصرفون شيئاً من العبادة إلا له سبحانه ، فكما أنه سبحانه المتفرد بالخلق فهو سبحانه المتفرد بجميع أنواع العبادة 0
ولهذا قال تعالى للذين صرفوا العبادة لغيره مع أنهم يعلمون انه خالقهم ورازقهم { فلا تجعلوا لله أنداداً و انتم تعلمون }

قال ابن عباس رضي الله عنهما " أي لا تشركون بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون انه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم أليه الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه "
وقال قتادة : " أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض ثم تجعلون له أنداداً "
أن النعمة على أمة الإسلام عظيمة بهدايتهم إلى توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته والنعمة عليهم عظيمة بتوفيقهم الإهلال بتوحيد الله بعد أن كان غيرهم يهل بالشرك والتنديد فله الحمد سبحانه على توفيقه وإنعامه وهدايته حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا الكريم ويرضى ..


عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد
أستاذ في الجامعة الاسلامية

أحمد
01-15-2005, 08:15 PM
أعمال الحج
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
الإحرامُ بالحجّ : إذا كان ضُحى يومِ التروية ـ وهو اليومُ الثامنُ من ذي الحجة ـ أحرم من يريد الحجَّ بالحجِّ من مكانه الذي هو نازلٌ فيه.

ولا يُسَنّ أن يذهبَ إلى المسجد الحرام أو غيره من المساجد فَيُحرم منه، لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلّم، ولا عن أصحابه فيما نعلم.

ففي « الصحيحين» من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لهم : « أقيموا حلالاً حتى إذا كان يومُ التروية فأهلوا بالحج... الحديث » .
ولمسلمٍ عنه رضي الله عنه قال : « أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم لما أحللنا أن نُحرِم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح » وإنما أهلوا من الأبطح لأنه مكان نزولهم.

ويفعل عند إحرامه بالحج كما فعل عند إحرامه بالعمرة، فيغتسل ويتطيب ويصلي سنة الوضوء، ويُهل بالحج بعدها، وصفة الإهلال والتلبية بالحج كصفتهما في العمرة، إلا أنه في الحج يقول : لبيك حجاً، بدل : لبيك عمرة، ويشترطُ أن مَحلِّي حيث حبستني، إن كان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام نسكه، وإلا فلا يشترط.

الخروج إلى منى :
ثم يخرج إلى منى فيُصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً من غير جمع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم فعل كذلك.
وفي « صحيح مسلم» عن جابر رضي الله عنه قال : « فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب النبي صلى الله عليه وسلّم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر »

وفي « صحيح البخاري» من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمنى ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان صَدْراً من خلافته، ولم يكن صلى الله عليه وسلّم يجمع في منى بين الصلاتين في الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، ولو فعل ذلك لنُقلَ كما نُقل جمعه في عرفة ومزدلفة.

ويقصر أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يُصلي بالناس في حجة الوداع في هذه المشاعر ومعه أهل مكة، ولم يأمرهم بالإتمام، ولو كان الإتمام واجباً عليهم لأمرهم به كما أمرهم به عام الفتح حين قال لهم : « أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر » .
لكن حيث امتد عمران مكة فشمل منى وصارت كأنها حي من أحيائها فإن أهل مكة لا يقصرون فيها.

الوقوف بعرفة :
فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع سارَ من منى إلى عرفة فنزل بنَمِرَة إلى الزوال إن تَيسر له، وإلا فلا حرج عليه؛ لأن النزول بنمرة سنةٌ لا واجب.
فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين، يجمع بينهما جمعَ تقديم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
ففي « صحيح مسلم» من حديث جابر رضي الله عنه قال : وأمر ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلّم ـ بقُبة من شعر تُضرب له بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلَت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً.
ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غَرَبت الشمسُ « الحديث».
والقصر والجمع في عرفة لأهل مكة وغيرهم.
وإنما كان الجمع جمع تقديم ليتفرغ الناس للدعاء، ويجتمعوا على إمامهم، ثم يتفرقوا على منازلهم، فالسنة للحاج أن يتفرغ في آخر يوم عرفة للدعاء والذكر والقراءة ويحرص على الأذكار والأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلّم، فإنها من أجمع الأدعية وأنفعها فيقول :
ـ اللَّهُمّ لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول، اللَّهُمّ لك صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي وإليك ربِّ مآبي ولك رب تُراثي.
ـ اللَّهُمّ إني أعوذُ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر.
ـ اللَّهُمّ إني أعوذ بك من شر ما تَجيء به الريحُ.
ـ اللَّهُمّ إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلمُ سِرّي وعلانيتي، لا يخفى عليك شيءٌ من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك إبتهال المذنب الذليل، وأدعوكَ دعاءَ من خَضَعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذلّ لك جسده، ورَغم لك أنفه.
ـ اللَّهُمّ لا تجعلني بدعائك ربِّ شقياً، وكن بي رؤوفاً رحيماً يا خير المسؤولين ويا خيرَ المعطين.
ـ اللَّهُمّ اجعل في قلبي نوراً، وفي سَمعي نوراً وفي بصري نوراً.
ـ اللَّهُمّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللَّهُمّ إني أعوذ بك من شرِّ ما يلج في الليل، وشَرِّ ما يلجُ في النهار، وشرِّ ما تهبُّ به الرياحُ، وشرِّ بوائق الدهر.
ـ اللَّهُمّ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقِنا عذابَ النار.
ـ اللَّهُمّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم.
ـ اللَّهُمّ إني أعوذ بك من جهد البلاء، ومن دَرك الشقاء، ومن سوء القضاء، ومن شماتةِ الأعداء.
ـ اللَّهُمّ إني أعوذ بك من الهمّ والحَزن، والعجز والكسل، والجُبن والبُخل، وضِلَعِ الدينِ وغَلبة الرجال، وأعوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أرذلِ العُمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا.
ـ اللَّهُمّ إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، ومن شرِّ فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر.
ـ اللَّهُمّ اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبَرَد، ونقِّ قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.
فالدعاء يومَ عرفة خيرُ الدعاء.

قال النبي صلى الله عليه وسلّم : « خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيُّون من قبلي : لا إلـه إلا الله وحده لا شريك له له المُلكُ وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير »

وإذا لم يُحط بالأدعية الواردة عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم، دعا بما يعرفُ من الأدعية المباحة. فإذا حصل له مَللٌ، وأراد أن يستجم بالتحدث مع رفقته بالأحاديث النافعة، أو مُدارسة القرآن، أو قراءة ما تيسر من الكُتب المفيدة، خُصوصاً ما يتعلق بكرم الله تعالى وجزيل هباته، ليقوي جانب الرجاء في هذا اليوم، كان حَسنا ثم يعود إلى الدعاء والتضرع إلى الله، ويحرص على اغتنام آخر النهار بالدعاء.

وينبغي أن يكون حال الدعاء مستقبلاً القبلة، وإن كان الجبل خلفه أو يمينه أو شماله، لأن السنة استقبال القبلة، ويرفع يديه، فإن كان في إحداهما مانعٌ رفع السليمة، لحديث أُسامة بن زيد رضي الله عنه قال : « كنت رِدفَ النبي صلى الله عليه وسلّم بعرفات فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خِطامها فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافعٌ الأخرى » رواه النسائي.
ويُظهر الافتقار والحاجة إلى الله عز وجل، ويُلح في الدعاء ولا يستبطىء الإجابة.
ولا يعتدي في دعائه بأن يسأل ما لا يجوز شرعاً، أو ما لا يُمكن قَدَراً، فقد قال الله تعالى : { ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }. وليتجنب أكل الحرام فإنه من أكبر موانع الإجابة، ففي « صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : « إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً... الحديث». وفيه، « ثم ذكر الرجل يطيل السفرَ أشعثَ أغبر يمدُّ يديه إلى السماء : يا رب يا رب ومطعمهُ حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذي بالحرام فأنى يُستجاب لذلك » .

فقد استبعد النبي صلى الله عليه وسلّم إجابة من يتغذى بالحرام ويلبس الحرام مع توفر أسباب القَبول في حَقه وذلك لأنه يتغذى بالحرام.

وإذا تيسر له أن يقف في موقف النبي صلى الله عليه وسلّم عند الصخرات فهو أفضل، وإلا وقف فيما تيسر له من عرفة، فعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال : « نحرتُ ههنا، ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا وجَمعٌ ـ يعني مزدلفة ـ كلها موقف » رواه أحمد ومسلم.

ويجب على الواقف بعرفة أن يتأكد من حدودها، وقد نُصبت عليها علامات يجدها من يتطلبها، فإن كثيراً من الحجاج يتهاونون بهذا فيقفون خارج حدود عرفة جهلاً منهم، وتقليداً لغيرهم، وهؤلاء الذين وقفوا خارج حدود عرفة ليس لهم حج؛ لأن الحج عرفة، لما روى عبدالرحمن بن يَعمر : « أن أُناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو واقفٌ بعرفة فسألوه فأمر مُنادياً ينادي : الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك أيام منى ثلاثةَ أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، وأردف رجلاً ينادي بهن » رواه الخمسة.
فتجب العناية بذلك، وطلب علامات الحدود حتى يتيقن أنه داخل حدودها.

ومن وقف بعرفة نهاراً وجبَ عليه البقاءُ إلى غروب الشمس، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم وقف إلى الغروب، وقال : « لتأخذوا عني مناسككم» ولأن الدفع قبل الغروب من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بمخالفتها.
ويَمتد وقتُ الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر يوم العيد، لقول النبي صلى الله عليه وسلّم : « من جاء ليلة جمعٍ قبل طلوع الفجر فقد أدركَ »

فإن طلع الفجر يوم العيد قبل أن يقف بعرفة فقد فاته الحج.
فإن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه إن حبسني حابس فمَحلِّي حيث حَبَستني تحلل من إحرامه ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط فإنه يتحلل بعمرة فيذهب إلى الكعبة، ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق، وإن كان معه هدي ذبحه، فإذا كان العام القادم قضى الحج الذي فاته، وأهدى هدياً، فإن لم يجد صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، لما روى مالك في « الموطأ» أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أبا أيوب وهبّار بن الأسود حين فاتهما الحج فأتيا يوم النحر أن يُحِلا بعمرةٍ ثم يرجعا حلالاً ثم يَحجا عاماً قابلاً ويهديا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

المبيت بمزدلفة :
ثم بعد الغروب يدفع الواقف بعرفة إلى مزدلفة فَيُصلي بها المغرب والعشاء؛ يُصلي المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين.
وفي « الصحيحين» عن أُسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : « دفع النبي صلى الله عليه وسلّم من عرفة فنزل الشِّعب، فبال ثم توضأ ولم يُسبِغ الوضوء، فقلت : يا رسول الله الصلاة ! قال : « الصلاة أمامك» فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أُقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كلُّ إنسانٍ بعيره في منزله ثم أُقيمت العشاء فصلاها »

فالسنة للحاج أن لا يُصلي المغرب والعشاء إلا بمزدلفة اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلّم، إلا أن يخشى خروج وقت العشاء بمنتصف الليل فإنه يجب عليه أن يُصلي قبل خروج الوقت في أي مكانٍ كان.
ويبيت بمزدلفة، ولا يُحيي الليل بصلاة ولا بغيرها، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يفعل ذلك.
وفي « صحيح البخاري» من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : جمع النبي صلى الله عليه وسلّم بين المغرب والعشاء بِجَمعٍ ولم يُسَبح بينهما شيئاً ولا على إثر كل واحدة منهما.
وفي « صحيح مسلم» من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذانٍ واحد وإقامتين، ولم يُسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر.
ويجوز للضعفة من رجال ونساء أن يدفعوا من مزدلفة بليل في آخره.
ففي « صحيح مسلم» عن ابن عباس رضي الله عنهما بعث بي رسول الله صلى الله عليه وسلّم بسَحَرٍ من جَمعٍ في ثِقَلِ رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وفي « الصحيحين» من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يُقَّدِّمُ ضَعفةَ أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يدفعون، فمنهم من يَقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رَمَوا الجمرة، وكان ابن عمر يقول : أرخَصَ في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وأما مَن ليس ضعيفاً ولا تابعاً لضعيف، فإنه يبقى بمزدلفة حتى يُصلي الفجر اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلّم.

وفي « صحيح مسلم» عن عائشة رضي الله عنها قالت : « استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ليلة المزدلفة تدفع قَبله وقبل حَطمة الناس وكانت امرأة ثَبِطَةً، فأَذِنَ لها وحَبَسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه ولأن أكون استأذنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم كما استأذنت سَودةُ فأكون أدفعُ بإذنه أحبّ إلي من مَفروحٍ به » .
وفي رواية أنها قالت : « فليتني كنتُ استأذنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم كما استأذنته سودة » .
فإذا صلى الفجر أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وهلّله ودعا بما أحب حتى يسفر جداً.
وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه لقول النبي صلى الله عليه وسلّم : « وقفتُ ههنا وجمعٌ كلها موقف » .

السيرُ إلى منى والنزول فيها :
ينصرف الحجاج المقيمون بمزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس عند الانتهاء من الدعاء والذكر، فإذا وصلوا إلى منى عملوا ما يأتي :
1 ـ رمي جمرة العقبة وهي الجمرة الكبرى التي تلي مكة في منتهى منى، فيلقطُ سبع حصيات مثل حصا الخَذفِ، أكبر من الحمص قليلاً، ثم يرمي بهن الجمرة، واحدةً بعد واحدةٍ، ويرمي من بطن الوادي إن تيسر له فيجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه، لحديثِ ابن مسعود رضي الله عنه « أنه انتهى إلى الجمرة الكُبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع وقال : هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورةُ البقرة» متفق عليه.
ويُكبر مع كل حصاةٍ فيقول : الله أكبر.
ولا يجوزُ الرمي بحصاة كبيرة ولا بالخفاف والنعال ونحوها.
ويَرمي خاشعاً خاضعاً مُكبراً الله عز وجل، ولا يفعل ما يفعله كثيرٌ من الجهال من الصياح واللغط والسب والشتم؛ فإن رَمي الجمار من شعائر الله : { وَمَن يُعَظِّمْ شَعَـئِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : « إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمارِ لإقامة ذكر الله » .
ولا يندفع إلى الجمرة بعنف وقوة، فيؤذي إخوانه المسلمين أو يضرهم.

2 ـ ثم بعد رمي الجمرة يذبح الهدي إن كان معه هدي، أو يشتريه فيذبحه.
وقد تقدم بيان نوع الهدي الواجب وصفته ومكان ذبحه وزمانه وكيفية الذبح، فَليُلاحَظ.

3 ـ ثم بعد ذبحِ الهدي يحلق رأسه إن كان رجلاً، أو يقصّره، والحلق أفضل، لأن الله قدمه فقال : { مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَـفُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } ولأنه فِعلُ النبي صلى الله عليه وسلّم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلّم أتى منى، فأتى الجمرة، فرماها ثم أتى منزله بمنى ونَحَرَ ثم قال للحلاق : خُذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يُعطيه الناس » رواه مسلم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلّم دعا للمُحَلقين بالرحمة والمغفرة ثلاثاً وللمُقَصرين مرة، ولأن الحلق أبلغ تَعظيماً لله عز وجل حيث يُلقي به جميعَ شعرِ رأسِه.

ويجب أن يكون الحلق أو التقصير شاملاً لجميع الرأس لقوله تعالى : { مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَـفُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً }.
والفعل المضاف إلى الرأس يشمل جميعه، ولأن حلق بعض الرأس دون بعض منهي عنه شرعاً لما في « الصحيحين» عن نافع عن ابن عُمر أن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن القَزع، فقيل لنافع : ما القزعُ ؟ قال : أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضاً، وإذا كان القزعُ منهياً عنه لم يصحَّ أن يكون قُربة إلى الله، ولأن النبي صلى الله عليه وسلّم حَلَق جميع رأسه تعبداً لله عز وجل وقال : « لِتَأخذوا عني مناسككم » .
وأما المرأة فتقصر من أطراف شعرها بقدر أُنملة فقط.
فإذا فعل ما سبق حَلَّ له جميع محظورات الإحرام ما عدا النساء فيحل له الطيب واللباس وقص الشعر والأظافر وغيرها من المحظورات ما عدا النساء.
والسنة أن يتطيب لهذا الحِلِّ، لقول عائشة رضي الله عنها : « كنت أُطيب النبي صلى الله عليه وسلّم لإحرامه قبل أن يُحرم ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت». متفق عليه واللفظ لمسلم.
وفي لفظ له : « كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلّم قبل أن يُحرم ويومَ النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيبٍ فيه مِسكٌ » .

4 ـ الطواف بالبيت وهو طواف الزيارة والإفاضة لقوله تعالى : { ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ }.
وفي « صحيح مسلم» عن جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلّم قال : ثم ركب صلى الله عليه وسلّم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر... الحديث.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : حَجَجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأفضنا يومَ النحرِ... الحديث متفق عليه.

وإذا كان مُتمتعا أتى بالسعي بعد الطواف، لأن سعيه الأول كان للعمرة، فلزمه الإتيان بسعي الحج.
وفي « الصحيحين» عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : « فطاف الذين كانوا أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلُّوا ثم طافوا طوافاً آخرَ بعد أن رجعوا من مِنى لحجهم، وأما الذين جَمَعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً » .
وفي « صحيح مسلم» عنها أنها قالت : ما أتم الله حج امرىء ولا عُمرته لم يطف بين الصفا والمروة وذكره البخاري تعليقاً.
وفي « صحيح البخاري» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « ثم أَمَرَنا ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلّم ـ عشية التروية أن نُهِلَّ بالحج، فإذا فَرغنا من المناسك جِئنا فَطُفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حَجُّنا وعلينا الهدي » ذكره البخاري في : ( باب ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ).
وإذا كان مفرداً أو قارناً فإن كان قد سعى بعد طواف القدوم لم يُعِدِ السعي مرة أخرى لقول جابر رضي الله عنه : « لم يَطفُ النبي صلى الله عليه وسلّم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، طوافَه الأول » رواه مسلم.
وإن كان لم يَسْعَ وجب عليه السعي لأنه لا يتمُّ الحج إلا به كما سبق عن عائشة رضي الله عنها.
وإذا طاف طواف الإفاضة وسعى للحج بعده أو قبله إن كان مُفرداً أو قارناً فقد حلّ التحلل الثاني، وحلَّ له جميع المحظورات؛ لما في « الصحيحين» عن ابن عمر رضي الله عنهما في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلّم قال : « ونحر هَديَه يومَ النحر وأفاضَ فطافَ بالبيت ثم حلَّ من كل شيء حُرِمَ منه » .

والأفضل أن يأتي بهذه الأعمال يومَ العيد مُرتبة كما يلي :
1 ـ رمي جمرة العقبة.
2 ـ ذبح الهدي.
3 ـ الحلق أو التقصير.
4 ـ الطواف ثم السعي إن كان متمتعاً أو كان مُفرداً أو قارناً ولم يَسعَ مع طواف القدوم.
لأن النبي صلى الله عليه وسلّم رتبها هكذا وقال : « لتأخذوا عني مناسككم » .
فإن قدّم بعضها على بعض فلا بأس لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلّم قيلَ له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال : « لا حرج » متفق عليه.
وللبخاري عنه قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلّم يُسأل يومَ النحر بمنى ؟ فيقول : « لا حرج » فسأله رجلٌ فقال : حلقتُ قبل أن أذبحَ، قال : « اذبح ولا حرج » وقال : رميت بعد ما أمسيت قال : « لا حرج ». »
وفي « صحيح مسلم» من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما : « أن النبي صلى الله عليه وسلّم سُئل عن تقديم الحلقِ على الرمي، وعن تقديم الذبح على الرمي، وعن تقديم الإفاضة على الرمي، فقال : « ارمِ ولا حرج » ، قال : فما رأيته سُئل يومئذٍ عن شيء، إلا قال : « افعلوا ولا حَرَجَ ». »
وإذا لم يتيسر له الطواف يومَ العيد جاز تأخيره، والأَولى أن لا يتجاوزَ به أيامَ التشريق إلا من عُذرٍ كمرضٍ وحيضٍ ونفاسٍ.

الرجوعُ إلى منى للمبيت ورَميُ الجمار :
يرجع الحاج يوم العيد بعد الطواف والسعي إلى منى، فيمكثُ فيها بقيةَ يوم العيد وأيام التشريق ولياليها، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يمكث فيها هذه الأيام والليالي، ويلزمه المبيت في منى ليلةَ الحادي عشر وليلة الثاني عشر وليلة الثالث عشر إن تأخر، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم باتَ فيها. وقال : « لتأخذوا عني مناسككم » .
ويجوز ترك المبيت لعذرٍ يتعلق بمصلحة الحج أو الحجاج؛ لما في « الصحيحين» من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلّم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فَأَذِنَ له.
وعن عاصم بن عدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى... الحديث. رواه الخمسة وصححه الترمذي.
ويرمي الجمرات الثلاث في كل يومٍ من أيام التشريق كل واحدة بسبع حصيات مُتعاقبات، يكبر مع كل حصاة ويرميها بعد الزوال.
فيرمي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم يتقدم فيسهّل فيقومُ مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو وهو رافعٌ يديه.
ثم يرمي الجمرة الوسطى، ثم يأخذُ ذات الشمال فيسهّل فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو وهو رافعٌ يديه.
ثم يرمي جمرةَ العقبةِ، ثم ينصرف ولا يقفُ عندها.
هكذا رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يفعل كذلك.
وإذا لم يتيسر له طول القيام بين الجمار، وقَفَ بقدر ما يتيسر له ليحصل إحياء هذه السنة التي تركها أكثرُ الناس، إما جهلاً أو تهاوناً بهذه السنة.
ولا ينبغي ترك هذا الوقوف فتضيع السنة، فإن السنة كلما أُضيعت كان فعلها أوكد لحصول فضيلة العمل ونَشِر السنة بين الناس.

والرمي في هذه الأيام ـ أعني أيام التشريق ـ لا يجوز إلا بعد زوال الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يَرمِ إلا بعد الزوال، وقد قال : « لتأخذوا عني مناسككم» : فعن جابر رضي الله عنه قال : « رمى النبي صلى الله عليه وسلّم الجمرة يوم النحر ضُحىً، وأما بعد فإذا زالت الشمس» رواه مسلم.
وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون.
ففي « صحيح البخاري» أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما سُئل : متى أرمي الجمار ؟ قال : كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا.
وإذا رمى الجمارَ في اليوم الثاني عشر فقد انتهى من واجب الحج فهو بالخيار إن شاء بقي في منى لليوم الثالث عشر ورمى الجمار بعد الزوال، وإن شاء نفر منها لقوله تعالى : { فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }.
والتأخرُ أفضلُ لأنه فعلُ النبي صلى الله عليه وسلّم، ولأنه أكثر عملاً حيث يحصل له المبيت ليلة الثالث عشر، ورمي الجمار من يومه.

لكن إذا غربت الشمس في اليوم الثاني عشر قبل نفره من منى فلا يتعجل حينئذٍ لأن الله سبحانه قال : { فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فقيّد التعجل في اليومين، ولم يُطلق فإذا انتهت اليومان فقد انتهى وقتُ التعجل، واليوم ينتهي بغروب شمسه.
وفي « الموطأ» عن نافع أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول : من غَرَبت له الشمس من أواسط أيام التشريق وهو بمنى فلا يَنفر حتى يرمي الجمار من الغد، لكن إذا كان تأخره إلى الغروب بغير اختياره مثل أن يتأهب للنفر ويشد رحله فيتأخر خروجه من منى بسبب زحام السيارات أو نحو ذلك فإنه ينفرُ ولا شيء عليه ولو غربت الشمس قبل أن يخرج من منى.

الاستنابة في الرمي :
رمي الجمار نسك من مناسك الحج، وجزءٌ من أجزائه، فيجب على الحاج أن يقومَ به بنفسه إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، سواءٌ كان حجه فريضة أم نافلة، لقوله تعالى : { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }
فالحج والعمرة إذا دخل فيهما الإنسان وجب عليه إتمامهما وإن كانا نفلاً. ولا يجوز للحاج أن يُوكل مَنْ يرمي عنه إلا إذا كان عاجزاً عن الرمي بنفسه لمرضٍ أو كِبَر أو صِغَر أو نحوها، فيوكّل من يثق بعلمه ودينه فيرمي عنه سواء لقَطَ المُوَكل الحصا وسلمها للوكيل، أو لقطها الوكيلُ ورمى بها عن موكله.
وكيفية الرمي في الوكالة أن يَرمي الوكيل عن نفسه أولاً سبعَ حَصيات، ثم يَرمي عن موكله بعد ذلك، فَيُعينه بالنيةِ.
ولا بأس أن يَرمي عن نفسه وعمن وكله في موقفٍ واحدٍ، فلا يلزمه أن يكمل الثلاث عن نفسه، ثم يرجع عن موكله، لعدم الدليل على وجوب ذلك.

طواف الوداع :
إذا نَفَرَ الحاج من منى وانتهت جميع أعمال الحج، وأراد السفر إلى بلده فإنه لا يخرجُ حتى يطوف بالبيت للوداع سبعةَ أشواط، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم طاف للوداع وكان قد قال : « لتأخذوا عني مناسككم » .
ويجبُ أن يكون هذا الطوافُ آخر شيء يفعلهُ بمكة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : « كان الناس ينصرفون في كلِّ وجهٍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : « لا ينفرنِّ أحدٌ حتى يكون آخرَ عهده بالبيت » رواه مسلم.
فلا يجوز البقاء بعده بمكة، ولا التشاغل بشيء إلا ما يتعلق بأغراض السفر وحوائجه؛ كشد الرحل وانتظار الرفقة، أو انتظار السيارة، إذا كان قد وَعَدَهم صَاحبها في وقتٍ معين فتأخر عنه، ونحو ذلك.
فإن أقام لغير ما ذُكر وَجَبَ عليه إعادة الطواف ليكون آخرَ عهده بالبيتِ.

ولا يجب طواف الوداع على الحائض والنُّفساء لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : « أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض » متفق عليه.
وفي « صحيح مسلم» عن عائشة رضي الله عنها قالت : حاضت صفية بنت حُيَيّ بعدما أفاضت، قالت عائشة : فَذَكرت حَيضتها لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال : « أحابستنا هي ؟ » فقلت : يا رسول الله إنها قد كانت أفاضَت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم : « فَلتنفر » . والنفساء كالحائض لأن الطواف لا يصح منها.


مجمل أعمال الحج

عمل اليوم الأول وهو اليوم الثامن :
1 ـ يُحرمُ بالحج من مكانه فيغتسل ويتطيب ويلبس ثيابَ الإحرام ويقول : لبَّيْك حجاً، لبيك اللهم لبيك، لبَّيْك لا شريك لك لبَّيْك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
2 ـ يتوجه إلى منى فيبقى فيها إلى طُلوعِ الشمسِ في اليوم التاسع، ويُصلي فيها الظهر من اليوم الثامن، والعصر والمغرب والعشاء والفجر، كل صلاة في وقتها، ويقصُر الرباعية.

عمل اليوم الثاني وهو اليوم التاسع :
1 ـ يتوجه بعد طلوع الشمس إلى عرفة، ويُصلي الظهر والعصر قصراً وجمعَ تقديمٍ، وينزل قبل الزوال بنمرة إن تيسر له.
2 ـ يتفرغ بعد الصلاة للذكر والدعاء مستقبل القبلةِ رافعاً يديه إلى غُروب الشمس.
3 ـ يتوجه بعد غروب الشمس إلى مُزدلفة فَيُصلي فيها المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين، ويبيتُ فيها حتى يطلع الفجر.
4 ـ يُصلي الفجر بعد طلوع الفجر، ثم يتفرغ للذكر والدعاء حتى يُسفرَ جداً.
5 ـ يتوجه قبل طلوع الشمس إلى منى.

عمل اليوم الثالث وهو يوم العيد :
1 ـ إذا وصل إلى منى، ذهب إلى جمرة العقبة، فرماها بسبع حَصَياتٍ مُتعاقبات، واحدةً بعد الأخرى، يكبر مع كل حصاة.
2 ـ يذبحُ هَديه إن كان له هديٌ.
3 ـ يحلق رأسه أو يُقصره. ويتحلل بذلك التحلُّلَ الأولَ فيلبس ثيابه ويتطيب وتحِلُّ له جميع محظورات الإحرام سوى النساء.
4 ـ ينزل إلى مكة فيطوف بالبيت طواف الإفاضة، وهو طوافُ الحج، ويسعى بين الصفا والمروة للحج، إن كان متمتعاً، وكذلك إن كان غير متمتع ولم يكن سعى مع طواف القدوم.
وبهذا يَحل التحلل الثاني، ويَحل له جميع محظورات الإحرام حتى النساء.
5 ـ يرجع إلى منى فيبيت فيها ليلة الحادي عشر.

عمل اليوم الرابع وهو الحادي عشر :
1 ـ يَرمي الجمرات الثلاث، الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، كل واحدة بسبع حصيات متعاقبات يُكبر مع كل حصاة، يرميهن بعد الزوال ولا يجوز قبله. ويلاحظ الوقوف للدعاء بعد الجمرة الأولى والوسطى.
2 ـ يبيت في منى ليلة الثاني عشر.

عمل اليوم الخامس وهو الثاني عشر :
1 ـ يرمي الجمرات الثلاث كما رماهُنَّ في اليوم الرابع.
2 ـ ينفر من منى قبل غروب الشمس إن أراد التعجل، أو يبيت فيها إن أراد التأخر.

عمل اليوم السادس وهو الثالث عشر :
هذا اليوم خاص بمن تأخر ويعمل فيه :
1 ـ يرمي الجمرات الثلاث كما سبق في اليومين قَبلَه.
2 ـ يَنفر من منى بعد ذلك.
وآخر الأعمال طواف الوداع عند سفره، والله أعلم.

أبويـــحيى المصرى
01-15-2005, 10:12 PM
بارك الله فيك أخى الفاضل..وجزاك الله خيرا على ماكتبت..

تحياتى..!