المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قيام الليل دأب الصالحين { للشيخ عبدالرحمن العتيبي }


أبو عبدالرحمن
10-08-2007, 10:51 PM
قيام الليل دأب الصالحين

الحمد لله الذي شرع لنا العبادات المتنوعة، ويسر لعباده أمر التقرب اليه بما لا يشق عليهم، ومن تلك العبادات قيام الليل وقد كانت تلك هذه العبادة فرض على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة وذلك في بداية الاسلام في مكة، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمًّلُ قُمً اللَّيْلَ اًلَّا قَلًيلاً نًصْفَهُ أَوً انقُصْ مًنْهُ قَلًيلاً أَوْ زًدْ عَلَيْهً وَرَتًّلً الْقُرْآنَ تَرْتًيلا) (المزمل: 1-4)
واستمر ذلك أحد عشر شهراً ثم جاء التخفيف من رب العالمين فخفف الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعن جميع المسلمين، فأصبح قيام الليل «نافلة» يندب اليها ويؤجر من يقوم يصلي من الليل تطوعاً، ولا يأثم من لم يتنفل من الليل، قال تعالى: (عَلًمَ أَن سَيَكُونُ مًنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرًبُونَ فًي الْأَرْضً يَبْتَغُونَ مًن فَضْلً اللَّهً وَآخَرُونَ يُقَاتًلُونَ فًي سَبًيلً اللَّهً فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مًنْهُ وَأَقًيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرًضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدًّمُوا لًأَنفُسًكُم مًّنْ خَيْري تَجًدُوهُ عًندَ اللَّهً هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً) (المزمل-20).
وقيام الليل يؤدي الى قوة الايمان وهم في مكة في صراع مع الكفار، وحث الله نبيه على قيام الليل، قال تعالى (وَمًنَ اللَّيْلً فَتَهَجَّدْ بًهً نَافًلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً) (الاسراء-79)، فامتثل ذلك نبي الرحمة.
عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فقلت له: لًمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟، قال:«أفلا أكون عبداً شكوراً» (رواه البخاري ومسلم).

ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل

الليل محل الهدوء والسكينة، وقراءة القرآن في تلك الساعة لها وقعي في النفس، قال تعالى (اًنَّ نَاشًئَةَ اللَّيْلً هًيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قًيلاً) (المزمل-6)، وفي ثلث الليل الآخر تكون ساعة لاجابة الدعاء.
عن جابر- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«ان من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً الا أعطاه اياه» (رواه مسلم).
وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة الى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فاستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فاغفر له» (رواه مسلم).
ورغب النبي صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن عمر في قيام الليل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل»، قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل الا قليلاً. (رواه البخاري ومسلم).
وحث النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة وزوجها علي- رضي الله عنهما- على قيام الليل، عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة، فقال:«ألا تصليان» (رواه مسلم).
وحذر أحد أصحابه من ترك قيام الليل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل» (متفق عليه).

فضل قيام الليل

التقرب الى الله عز وجل يكون بأداء الفرائض ثم يتبعها النوافل، وذلك يؤدي الى قوة الايمان، فالنوافل سياج أمان للفرائض، فمن يصلي من الليل نافلة لا يمكن أن يترك الفريضة الا بعد تركه للنافلة، والنوافل سبب لمحبة الله وتأييده كما أرشد الى ذلك الحديث القدسي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الله تعالى قال: ما تقرب اليَّ عبدي بشيء أحب اليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب اليَّ بالنوافل حتى أحبه، فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وان سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه) (رواه البخاري).
وهذا الحديث يفيد أن من يزداد من النوافل يكون موفقاً في سمعه وبصره وسيره، فلا يعمل الا ما يرضي الله، والعمل بما يرضي الله يؤدي الى الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فيكون المكثر من النوافل مسدداً موفقاً مؤيداً من الله، محفوظاً في حواسه وجوارحه فلا يقع في ما يضره في دنياه وآخرته.
ومن أفضل الأعمال المقربة الى الله صلاة الليل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (رواه مسلم).
فنافلة التطوع من الليل أفضل من نافلة التطوع من النهار، وقيام الليل سبب لدخول الجنة، عن عبد الله بن سلام- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أيها الناس فشوا السلام، واطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح).

قيام الليل في رمضان مكفر للذنوب

قيام الليل بالعبادة له الفضل في سائر ليالي العام، ويتأكد في ليالي شهر رمضان فهو سبب لمغفرة الذنوب، لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من قام رمضان ايماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري ومسلم).
ولا بد أن يكون هذا القيام لله فليس رياء ولا سمعة أو مجرد مشاركة فهو ايمان بأن الله شرعه واحتساب للأجر المترتب عليه ورغبة فيما عند الله، ويكون قيام رمضان بصلاة التراويح والقيام في العشر الأواخر، وصلاة التراويح سميت بهذا الاسم لأنهم كانوا يرتاحون بعد كل أربع ركعات ثم يواصلون، والا فهي قيام ليل ومن لم يستطع أن يصلي مع الجماعة قيام الليل فليصلها وحده حتى يشمله الحديث والمرأة في صلاتها في بيتها أفضل فان أرادت الصلاة مع الجماعة في المسجد فلا تمنع لأن الصلاة مع الجماعة أخف على النفس وعليها أن تتجنب الطيب وتحذر التبرج وتخلص النية له في عملها.

قيام ليلة القدر

ليلة القدر ليلة فريدة بين ليالي السنة، والقدر بمعنى الشرف والعظمة فشأن هذه الليلة عظيم، قال تعالى (لَيْلَةُ الْقَدْرً خَيْري مًّنْ أَلْفً شَهْري) (القدر-3)، فالعبادة فيها أعظم أجراً من العبادة فيما سواها من الليالي، وحريّي بباغي الخير أن يفرغ نفسه للعبادة في تلك الليلة فيقطع شواغله واتصالاته ما استطاع ويجتهد في ليلة القدر باحيائها بالصلاة والذكر والدعاء والاستغفار وقراءة القرآن، فمن قام ليلتها غفرت ذنوبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من قام ليلة القدر ايماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري ومسلم).
ومن أراد التيقن من ادراكه ليلة القدر فعليه باحياء العشر الأواخر من رمضان فهي في ليالي العشر الأواخر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر.
عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل كله وأيقظ أهله وشد المئزر) (رواه البخاري ومسلم).

الصالحون يستكثرون من العبادة

الصالحون يفرحون بالطاعات ويكون لهم من كل نوع من أنواع العبادة نصيب، ومن ذلك قيام الليل، وقد أثنى الله على صنيعهم ، قال تعالى (كَانُوا قَلًيلاً مًّنَ اللَّيْلً مَا يَهْجَعُونَ وَبًالْأَسْحَارً هُمْ يَسْتَغْفًرُونَ) (الذاريات:17-18)، فسهرهم في طاعة الله والتقرب اليه وهجروا طول الرقاد وقاموا بذكر ربهم مفضلين العبادة على لذيذ النوم، قال تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنً الْمَضَاجًعً يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً) (السجدة-16)، فهنيئاً لهؤلاء الذين استفادوا من دنياهم فزرعوا ما سيحصدونه غداً يوم القيامة، قال تعالى (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسي مَّا أُخْفًيَ لَهُم مًّن قُرَّةً أَعْيُني جَزَاء بًمَا كَانُوا يَعْمَلُون) (السجدة-17).
فالذي أعده الله لهم نعيماً لا يمكن وصفه كما جاء في الحديث القدسي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). (متفق عليه).
فهؤلاء اتعبوا أنفسهم وقاموا الى طاعة الله ويوم القيامة يكونون في راحة متكئين فيها على الأرائك ينظرون الى ما حباهم الله من نعيم مقيم، نسأل الله الكريم من فضله، قال تعالى (وَجَزَاهُم بًمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرًيراً مُتَّكًئًينَ فًيهَا عَلَى الْأَرَائًكً لَا يَرَوْنَ فًيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرًيراً وَدَانًيَةً عَلَيْهًمْ ظًلَالُهَا وَذُلًّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلًيلاًوَيُطَافُ عَلَيْهًم بًآنًيَةي مًّن فًضَّةي وَأَكْوَابي كَانَتْ قَوَارًيرَا) (الانسان: 12-15)، فلهم الأنس في الآخرة وقد أنسوا بطاعة الله في الدنيا، لما حضرت الوفاة أحد الصالحين أخذ يبكي فقيل: ما يبكيك؟ قال: لا أبكي على لذة في الدنيا وانما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل. فهم يطلبون المزيد من طاعة الله لأنهم وجدوا الأنس فيها وعلموا أنها سبب النجاة في الآخرة بعد رحمة الله والموفق من وفقه الله تعالى والمخذول من وكل الى نفسه والحمد لله رب العالمين.

عبد الرحمن بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 8/10/2007

عيسى بنتفريت
10-13-2007, 02:12 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللهم صلي وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى :{ياأيها الذين آمنو اتقو الله وقولو قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم
ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً }
جزاك الله أخي ابو عبدالرحمن خيرا وبارك فيك وأسكنك فسيح جناته.