المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسائل في التوحيد "الصبر" { للشيخ فرج المرجي }


Musleem
10-02-2007, 06:41 AM
مسائل في التوحيد

الصبر


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:


الصبر لغة: الحبس ومنه قولهم (قتل صبراً) أي محبوساً.

قال الإمام أحمدـ رحمه الله تعالىـ: "ذكر الله الصبر في تسعين موضعاً من القرآن" أ.هـ
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "الصبر حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي والتسخط، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، ونحوهما" أ.هـ
والصبر واجب لقوله تعالى (وَالصَّابًرًينَ فًي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحًينَ الْبَأْسً أُولَـئًكَ الَّذًينَ صَدَقُوا وَأُولَـئًكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرةـ177]، وبهذا يظهر أن الصبر ثلاثة أنواع عند أكثر أهل العلم: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله، وزاد شيخ الإسلامـ رحمه اللهـ نوعاً رابعاً وهو: الصبر عن الأهواء المخالفة للشرع، ولقد صدق رحمه الله فإنها تُغري وتنادي والله المستعان.

قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: "ما أُعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر"، وقال علي بن أبي طالبـ رضي الله عنهـ: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد" ثم رفع صوته فقال:" ألا لا إيمان لمن لا صبر له" أ هـ
وقال الله تعالى (مَا أَصَابَ مًن مُّصًيبَةي إًلَّا بًإًذْنً اللَّهً وَمَن يُؤْمًن بًاللَّهً يَهْدً قَلْبَهُ وَاللَّهُ بًكُلًّ شَيْءي عَلًيمي) [التغابنـ11].

قال ابن عباسـ رضي الله عنهماـ: "يعني يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه"، وقال علقمة بن قيس النخغيـ رحمه الله تعالىـ في تفسير هذه الآية كما نقله ابن كثير في تفسيره: "هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم".

وقال مقاتل بن حيان: "يعني يسترجع يقول إنا لله وإنا إليه راجعون"، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه "عجباً للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن".

ولما كان الصبر ثلاثة أنواع عند أكثر أهل العلم فإنها لم تكن مجردة عن الدليل من الكتاب والسنة، فالأول الصبر على طاعة الله ودليلها (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بًالصَّلَاةً وَاصْطَبًرْ عَلَيْهَا) [طهـ132]، وقوله تعالى (إًنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزًيلاً فاصْبًرْ لًحُكْمً رَبًّكَ) [الإنسان: 23ـ24].
والثاني: الصبر عن معصية الله كصبر يوسف عليه السلام عن إجابة امرأة العزيز حيث دعته إلى نفسها في مكان لها فيه العزة والقوة والسلطان عليه فقال (قَالَ رَبًّ السًّجْنُ أَحَبُّ إًلَيَّ مًمَّا يَدْعُونَنًي إًلَيْهً وَإًلاَّ تَصْرًفْ عَنًّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إًلَيْهًنَّ وَأَكُن مًّنَ الْجَاهًلًينَ) [يوسفـ33].

والثالث: الصبر على أقدار الله كما في قوله تعالى (فَاصْبًرْ لًحُكْمً رَبًّكَ) [القلمـ48]، وقوله صلى الله عليه وسلم (مرها فلتصبر ولتحتسب).
وأعلى هذه الأنواع الصبر على طاعة الله ثم الصبر عن معصية الله ثم الصبر على أقدار الله وهذا الترتيب من حيث هو لا باعتبار من يتعلق به، وإلا فقد يكون الصبر عن معصية الله أشق من الصبر على طاعة الله.
أسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بما يرضيه عنا ويرزقنا العافية في أمرنا كله إن ربي قريب مجيب.




فرج المرجي


تاريخ النشر: الاثنين 1/10/2007

جريدة الوطن